• ما نزل في شأن أهل الكتاب

    من صاحب جريدة الوطنية بمصر نُشر في العدد 427 منها وتاريخه 28 ذي الحجة سنة 1352هـ، و12 أبريل سنة 1934م.

    ووجه إلى علماء الإسلام كافة، وقد أرسله صاحبه مع كتاب بخطه يخصني به بالسؤال.

    وقد ذكر في مقدمته أن أستاذًا من الشيوخ المعلمين في المدارس الأميرية، وخطباء بعض الجمعيات الإسلامية، قال له: (وقد سأله عما بلغه من إنكاره لقراءة القرآن لتبليغه بالمذياع -أي: آلة الراديو- ما يأتي بنص الجريدة وهو: «إن في القرآن آيات ضد أهل الكتاب كان لها وقت نزولها ما يبررها، أما وقد أصبحوا بعد ذلك ذوي ذمتنا، فلا يجوز أن يسمعوا تلك الآيات».
     

    ما نزل في شأن أهل الكتاب فكله حق وعدل محكم يجب إظهاره في كل وقت، حتى ما نزل في الأعداء المحاربين منهم، دع ما هو خاص بالذميين والمعاهدين، وقد قال تعالى فيهم: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: 113] وأثنى على بعضهم بالحق وذم أكثرهم بحق.

    ولا يزال فيهم من هم أشد عداوة للمسلمين من سلفهم في عصر التنزيل وما يليه، وكان أهل الذمة في الصدر الأول أشد محافظة على شروطها من أهل زماننا، وقد قال تعالى فينا وفيهم: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119] ... إلخ.

    بل قال في المشركين الذين كانوا أشد عداوة للإسلام من أهل الكتاب، ولا سيما النصارى الذي كان فيهم من هم أقرب مودة للذين آمنوا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[٨]﴾ [الممتحنة: 8] ... إلخ.

    فما الذي يريد هذا الأستاذ كتمانه من القرآن أن يسمعه أو يقرأه أهل الكتاب وغيرهم؟ وهو يعلم ما يقولون ويكتبون من الطعن بالكذب والبهتان على الله ورسوله وكتابه ودينه، وما يكيدون لرد أطفال المسلمين عنه إلى دينهم.

    وإن من يسميهم الذميين كالمعاهدين في هذا، ولا يراعي شروط الذمة والعهد أحد منهم، فهل يجد في سفهاء قومه من لا يفضل أعلم قسوسهم وكتابهم في التنزه عن مثل هذا، أم يريد أن يقول: أنه يشرع لنا نسخ بعض القرآن، حتى في التلاوة لإرضائهم وهو يعلم ما قال الله تعالى في الغاية التي لا يرضيهم دونها شيء؟ والله أعلم منه بهم؟ والقرآن لا يُنسخ بالرأي، ولا يصح إطلاق القول بكتمانه لمصلحة راجحة فكيف يكتم بمثل هذا الوهم؟ على أن هذا الكتمان متعذر في هذا الزمان، ولله الحمد. [1]

    [1] المنار ج34 (1934) ص34-35.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 999 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة