• زكاة الأرض

    يقول سائل: إنه في نهاية شهر رجب سنة 1404 هجرية قد أعانه الله تعالى على شراء مساحة من أرض البناء، وقد سدد حوالي سبعين في المائة من ثمنها الإجمالي وتبقى الباقي دينًا عليه، وأنه قد اعتاد في السنوات السابقة إخراج زكاة المال في شهر رمضان المبارك من كل عام على ما يملك من أموال، وقال: إنه لم يخرج زكاة عن هذه الأرض التي اشتراها لا عن الجزء المسدد من ثمنها ولا عن قيمتها الإجمالية، مع العلم بأنه قد سدد الآن الثمن بالكامل، كما وأنه لم يستقر على نية معينة من اقتنائه لهذه الأرض، ولكن النية الأكيدة أنها ليست لبناء دار خاصة لسكناه وإنما بقصد الاستثمار والاستغلال بأي صورة من الصور، سواء بإعادة البيع والربح عند ارتفاع ثمنها أو بإقامة بناء عليها لتأجيره لطالبي السكن أو بيعه لهم مسكنًا مسكنًا.

    ويسأل الطالب هل على هذه الأرض من زكاة؟ وكم تكون نسبتها؟ وهل إذا كانت هناك زكاة تستحق، فهل تستحق على الأموال التي لم يحل عليها الحول والتي دفعها في شهر رجب سنة 1404 هجرية مقدما من ثمن الأرض؟

    زكاة المال ركن من أركان الإسلام وفرض عين على كل من توافرت فيه شروط الزكاة، ودليل فرضيتها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

    ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ[٤٣]﴾ [البقرة: 43]، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[١٩]﴾ [الذاريات: 19]، وما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن كان مما أوصاه به إبلاغه للناس: «أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ إِلى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه، واللفظ للبخاري.

    وقد أجمع المسلمون على فرضية الزكاة وأنها تجب في كل أنواع الأموال بشروط ومقادير محددة لكل نوع، وأهم شروط وجوب الزكاة في الأموال النقدية أن يبلغ المال النصاب الشرعي، وأن تكون ذمة مالكه خالية من الدين، وأن يكون فائضًا عن حاجته المعيشية وحاجة من يعوله، وأن تمضي عليه سنة قمرية.

    وأما بالنسبة لعروض التجارة وهي ما عدا الأثمان من الأموال غير السائمة على اختلاف أنواعها فإن الزكاة تجب فيها متى بلغت قيمتها النصاب الشرعي وحال عليها الحول على الوجه السابق ونوى مالكها بها التجارة واقترنت نيته بعقد التجارة، ففي بدائع الصنائع من كتاب الزكاة جزء [2] صفحة [11] بعد كلام ما نصه: «وأما فيما سوى الأثمان من العروض فإنما يكون الإعداد فيها للتجارة بالنية؛ لأنها كما تصلح للتجارة تصلح للانتفاع بأعيانها بل المقصود الأصلي منها ذلك فلا بد من التعيين للتجارة وذلك بالنية» اهـ.

    وفي الدر المختار جزء [2] صفحة [19] ما نصه: «وما اشتراه لها -أي للتجارة- كان لها لمقارنة النية لعقد التجارة».

    وعلق ابن عابدين على قول صاحب الدر: «كان لها» بقوله: «لأن الشرط في التجارة مقارنتها لعقدها» اهـ.

    ويقول فقهاء الشريعة: إن ما عدا النقدين -الذهب والفضة- مما يعد للتجارة عروض تجارة ويشمل هذا الاصطلاح المأكولات والثياب والأمتعة والحيوانات والآلات والمنتجات الزراعية والأرض والدور وغير هذا مما يجد من مستحدثات تعد للبيع والاتجار بقصد الربح- الفتاوى الإسلامية الصادرة من دار الإفتاء المصرية مجلد 8 صفحة 2862 وما بعدها- وفي البدائع من الزكاة عند الكلام على أموال التجارة [جزء] 2 صفحة 20، 21 بعد كلام ما نصه: «وسواء كان مال التجارة عروضا أو عقارا أو شيئًا مما يكال أو يوزن؛ لأن الوجوب في أموال التجارة تعلق بالمعنى وهو المالية والقيمة وهذه الأموال كلها في هذا المعنى جنس واحد» اهـ.

    وقد تداول الفقهاء نقل آثار في طريقة إخراج التاجر المسلم زكاة ثروته التجارية، فقد نقل أبو عبيد في كتابه الأموال صفحة 426 عن إبراهيم النخعي قول: «يقوم الرجل متاعه إذا كان للتجارة إن حلت عليه الزكاة فيزكيه مع ماله».

    وعن الحسن البصري قوله: «إذا حضر الشهر الذي وقت الرجل أن يؤدي فيه زكاته أدى عن كل مال نقدي له، وكل ما ابتاع من التجارة، وكل دين إلا ما كان منه ضمارا لا يرجوه» اهـ.

    هذا وأما بالنسبة للدور المعدة للاستغلال، فإن المنصوص عليه شرعًا أنها إذا اشتريت ولم يقصد عند شرائها الاتجار بأعيانها فإنه لا زكاة في قيمتها مهما بلغت، أما المتحصل من أجرتها فإنه لا تجب فيه الزكاة حتى يبلغ النصاب ويحول عليه الحول من تاريخ القبض خاليا من الدين ومن الحاجات الأصلية، وذلك بعد دفع الضريبة وغيرها من المصروفات.

    والنصاب الشرعي هو ما يقابل قيمته بالنقود الحالية قيمة 85 جرامًا من الذهب عيار 21، أو قيمة 595 جرامًا من الفضة، وللمزكي الخيار في التقدير بالذهب أو الفضة وإن كان الأولى النظر لما فيه مصلحة الفقير.

    وعلى ذلك ففي الحادثة موضوع السؤال تكون قطعة الأرض التي اشتراها السائل من عروض التجارة إذا نوى التجارة بشأنها وكانت نيته مقارنة لعقد الشراء سواء كان ذلك بإعادة البيع والربح عند ارتفاع ثمنها كما يقول السائل، أو بإقامة بناء عليها وبيعه لطالبي السكن، والواجب عليه حينئذ أن يقوم قطعة الأرض بقيمتها في شهر رمضان المبارك لسنة 1404 هجرية موعد حلول زكاة أمواله ويضم هذا إلى ما عنده من مال ويخرج من مجموع ذلك ربع العشر 2.5% وذلك بعد استبعاد ما عليه من ديون، وهكذا كلما حل موعد حلول زكاة أمواله زكى عن قيمتها الحالية.

    وإن بقيت عنده أعواما بدون زكاة ثم باعها بعد ذلك فعليه زكاتها لجميع الأعوام لا لعام واحد فقط شأنها في ذلك شأن بقية عروض التجارة تماما.

    أما إذا كان السائل قد اشترى تلك القطعة من الأرض قاصدا عند الشراء إقامة بناء عليها وتأجيره لطالبي السكن ولم يقصد الاتجار بأعيانها فإنه لا زكاة في قيمتها مهما بلغت.

    وإنما تجب الزكاة في المتحصل من أجرتها فقط إذا بلغ نصابًا وحال عليه الحول من تاريخ القبض خاليا من الدين ومن الحاجات الأصلية بعد دفع الضريبة وغيرها من المصروفات، وذلك فيما إذا لم يتواجد لديه مال يزكيه في موعد محدد من السنة وإلا ضمه إليه وزكاه معه في موعده.

    ومن هذا يعلم الجواب إذا كان الحال كما ورد بالسؤال.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ 1- الأرض والدور المعدة للاستغلال إذا اشتريت ولم يقصد عند شرائها الاتجار بأعيانها فإنه لا زكاة فيها مهما بلغت، أما المتحصل من أجرتها فإنه لا تجب فيه الزكاة حتى يبلغ النصاب ويحول عليه الحول.

    بتاريخ:16/3/1986

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 199 س: 120 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد مجاهد حمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة