• حج المعتدة من وفاة

    امرأة توفي زوجها من مدة قريبة وما تزال في عدة الوفاة للآن، وكانت قبل وفاته قد تقدمت بطلب لأداء فريضة الحج بموافقة الزوج كتابيًا على سفرها لأداء هذه الفريضة، وقد أخرجتها القرعة ضمن المقبولين للسفر في موسم العام الحالي 1401هـ، وسددت الرسوم المطلوبة.

    ما حكم الشرع في سفرها وهي في عدة الوفاة إلى أداء فريضة الحج مع الاعتبارات السابقة؟

    إن الحج من فرائض الإسلام التي فرضها الله سبحانه على المستطيع من الرجال وعلى المستطيعة من النساء، ففي القرآن الكريم قول الله تعالى:﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].

    وهو من العبادات الأساسية، ففي السنة الشريفة قول الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان حقيقة الإسلام والإيمان:[1] «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، والإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، ووجوب الحج مشروط بالاستطاعة كما هو صريح القرآن والسنة وبإجماع المسلمين، غير أن الفقهاء اختلفوا في حقيقتها وفي شروطها بوجه عام، كما اختلفوا فيها بالنسبة للمرأة: ففي فقه الإمام أبي حنيفة: أن من الاستطاعة أن يكون معها زوجها، أو محرم لها من النسب أو من المصاهرة أو من الرضاع إذا كان بينها وبين مكة سفر ثلاثة أيام فأكثر أما إذا كانت مسافة السفر دون هذه المدة وتوافرت لها باقي عناصر الاستطاعة كان عليها أداء الحج ولو بغير زوج ولا محرم لا فرق في كل هذا بين الشابة والمسنة، ويشترط في المحرم أن يكون بالغًا عاقلًا مأمونًا[2].

    وفي فقه الإمام مالك: أنه لا يشترط لسفر المرأة أن تكون مع زوجها أو مع محرم، وأنه يجوز لها السفر لأداء هذه الفريضة إذا وجدت رفقة مأمونة[3].

    وفي فقه الإمام الشافعي: أنه إذا لم يتيسر للمرأة الخروج للحج مع زوجها أو أحد محارمها كان لها أن تحج مع رفقة مأمونة فيهم جمع من النساء موثوق بهن اثنتان فأكثر، ويجوز مع امرأة واحدة في حج الفرض، بل صرح فقهاء المذهب للمرأة أن تخرج وحدها عند الأمن في حج الفريضة، أما في حج النفل فليس لها الخروج مع نسوة ولو كثرن، ولا تسافر في النفل إلا مع زوج أو ذي رحم؛ لأنه سفر غير واجب[4].

    وفي فقه الإمام أحمد بن حنبل: أنه يشترط لوجوب الحج فورا على المرأة مع باقي عناصر الاستطاعة أن يسافر معها زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح كالرضاع والمصاهرة[5]، ومن ثم يكون فقه الإمامين مالك والشافعي قد أجاز للمرأة متى توافرت لديها باقي عناصر الاستطاعة أن تسافر لأداء فريضة الحج دون اشتراط أن تكون صحبة زوجها أو محرم لها، وإنما تكفي رفقة مأمونة مطلقًا كما هو فقه الإمام مالك، أو رفقة مأمونة فيها جمع من النساء الثقات كما في فقه الإمام الشافعي وامرأة واحدة تكفي بل وعند الأمن والأمان تخرج وحدها في حج الفرض، ذلك شأن المرأة المتزوجة والتي ليست ذات زوج.

    أما المعتدة من طلاق بائن أو من وفاة فقد جرى فقه مذهب الإمام أبي حنيفة على أن كلا منهما تقضيان مدة العدة في البيت الذي كانت تقيم فيه وقت وقوع الفرقة بالموت أو بالطلاق البائن، ولا يحل للمطلقة الخروج منه إلا للضرورة، ويحل للمتوفى عنها زوجها الخروج نهارًا لقضاء حوائجها، ويحرم عليها الخروج ليلًا خوف الفساد ودرءً للقيل والقال، ونص فقهاء هذا المذهب على أنه إن انتهت الزوجية بوفاة الزوج أو بطلاقه إياها بائنًا وهي مسافرة فإن كان بينها وبين مصرها -محل إقامتها- مدة سفر -أي ثلاثة أيام فأكثر- رجعت إلى بيتها لقضاء مدة العدة، وإن كان بينها وبين مقصدها أقل من سفر ثلاثة أيام مضت إلى مقصدها، ولم يجيزوا للمعتدة من وفاة أو طلاق السفر للحج أو غيره إلا في نطاق هذه القاعدة[6].

    وفقه مذهب الإمام مالك جاءت عبارته: وسكنت المعتدة مطلقة أو متوفى عنها زوجها على ما كانت تسكن مع زوجها في حياته صيفًا وشتاءً، ورجعت إن نقلها منه مطلقها أو مات من مرضه ورجعت وجوبا لتعتد بمنزلها إن بقي شيء من العدة لو كانت قد خرجت لحجة الإسلام إن كان بعدها عن منزلها أربعة أيام فأقل، فإن زاد على هذا لم ترجع بل تستمر، كما لو دخلت في الإحرام[7]، وفي كتاب الأم المروي عن الإمام الشافعي في باب العدد: تحت عنوان «مقام المتوفى عنها زوجها والمطلقة في بيتها»: دلت السنة على أن على المتوفى عنها زوجها أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله إلى أن قال، وإن أذن لها بالسفر فخرجت، أو خرج بها مسافرًا إلى الحج، أو بلد من البلدان فمات عنها أو طلقها طلاقًا لا يملك الرجعة فسواء، ولها الخيار في أن تمضي في سفرها ذاهبة أو جائية، وليس عليها أن ترجع إلى بيته قبل أن ينقضي سفرها[8] وفي مختصر المازني تحت ذات العنوان السابق: «ولو خرج مسافرًا بها أو أذن لها في الحج، فزايلت منزله فمات، أو طلقها ثلاثًا فسواء لها الخيار في أن تمضي لسفرها ذاهبة وجائية وليس عليها أن ترجع إلى بيته قبل أن تقضي سفرها[9]»، وفي فقه مذهب الإمام أحمد بن حنبل قال ابن قدامة في المغني: ولو كانت عليها حجة الإسلام، فمات زوجها لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج؛ لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام، وإن مات زوجها بعد إحرامها بحج الفرض أو بحج أذن لها فيه، نظرت فإن كان وقت الحج متسعًا لا تخاف فواته، ولا فوات الرفقة لزمها الاعتداد في منزلها؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقين فلم يجز إسقاط أحدهما، وإن خشيت فواتها الحج لزمها المضي فيه، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يلزمها المقام وإن فاتها الحج؛ لأنها معتدة، فلم يجز لها أن تنشئ سفرًا، كما لو أحرمت بعد وجوب العدة عليها، ولنا أنهما عبادتان استوتا في الوجوب وضيق الوقت، فوجب تقديم الأسبق منهما كما لو كانت العدة أسبق؛ ولأن الحج أكد؛ لأنه أحد أركان الإسلام، والمشقة بتفويته تعظم فوجب تقديمه كما لو مات زوجها بعد أن بعد سفرها إليه، ونقل ابن هبيرة الحنبلي[10] في كتابه الإفصاح عن معاني الصحاح في باب العدة: أن الفقهاء اختلفوا في المتوفى عنها زوجها وهي في الحج، فقال أبو حنيفة: تلزمها الإقامة على كل حال إن كانت في بلد أو ما يقاربه، وقال مالك والشافعي وأحمد: إذا خافت فواته إن جلست لقضاء العدة جاز لها المضي فيه[11]؛ لما كان ذلك وكان الظاهر من السؤال أن السيدة المسؤول عنها قد أذن لها زوجها في السفر للحج، ثم توفي وأنها ما تزال في عدة وفاته، وأنها إن قعدت للعدة في منزله فاتها الحج مع أنها قد سددت رسومه ومصروفاته بعد أن أخرجتها القرعة، وأنه لم يسبق لها أداء هذه الفريضة، وكان معلوما بالعلم العام أن السفر للحج في عصرنا قد اقتضت مصلحة الدولة العامة تقييده بقيود وتحديد عدد المسافرين وبالقرعة، وقد يتعذر على هذه السيدة أداء هذه الفريضة فيما بعد بسبب تلك القيود، وإذا كان هذا حال المسؤول عنها وهو حال اضطرار واعتذار وسنوح فرصة قلما يتيسر الحصول عليها لا سيما وقد أذنت لها سلطات الدولة بالسفر للحج، كان ذلك بمثابة وفاة الزوج وهي في الحج فعلًا، يجري عليه ما قال به ابن قدامة[12] واحتج له بالحجج القوية المقبولة في النص الآنف، وما نقله ابن هبيرة عن الأئمة مالك والشافعي وأحمد من أنه إذا خافت فوات الحج إن جلست لقضاء العدة جاز لها المضي فيه؛ لما كان ذلك كان جائزًا للسيدة المسؤول عنها السفر لأداء فريضة الحج، وإن كانت في عدة وفاة زوجها؛ لأن الحج آكد باعتباره أحد أركان الإسلام والمشقة بتفويته تعظم، فوجب تقديمه لا سيما وقد دخلت في مقدماته في حياة الزوج وبإذنه، وذلك تخريجًا على تلك النصوص من فقه الأئمة مالك والشافعي وأحمد.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-
    1- الحج فرض على المستطيع من الرجال، وعلى المستطيعة من النساء مع خلاف بين الفقهاء في حقيقة الاستطاعة.

    2- من أذن لها زوجها في السفر إلى الحج، ثم توفي بعد أن سددت رسومه وأخرجتها القرعة كانت في حالة اضطرار، وكان ذلك بمثابة وفاة الزوج وهي في الحج، وجاز لها السفر لأداء فريضة الحج.

    بتاريخ: 6/9/1981

    [1] شرح صحيح مسلم للنووي على هامش إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري الجزء الأول، الطبعة السادسة بالمطبعة الأميرية ببولاق سنة 1304هـ في كتاب الإيمان ص 185، 219 في باب السؤال عن أركان الإسلام.
    [2] الاختيار شرح المختار ج 1 ص 139، 140، ط الحلبي، سنة 1355هـ، 1936م.
    [3] بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 189، 190، ط الحلبي.
    [4] المجموع للنووي شرح المهذب للشيرازي ج 7 ص 78، ص 86، ومعه فتح القدير للرافعي شرح الوجيز ص 22، 23.
    [5] الروض المربع للبهوتي في شرح زاد المستقنع للحجاوي ص 194 ط دار المعارف.
    [6] آخر باب العدة في الدر المختار وحاشيته رد المحتار لابن عابدين ج 2 ص 979 وما بعدها، وذات الموضع في كتب فقه المذهب الأخرى.
    [7] الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ج 2 ص 548 وص 549 باب العدة، والتاج والإكليل للمواق مع مواهب الجليل للحطاب ج 4 ص 162، 163 في باب العدة.
    [8] ج5 ط المطبعة الأميرية ببولاق 1322هـ ص 208 وص 210.
    [9] هامش المرجع السابق ص32 ومثله في تحفة المحتاج وحواشيها ج 8 ص 264 وص 265، وفي حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب ج 4 ص 91، وفي حاشية البجيرمي على تحفة الحبيب شرح الخطيب ج 4 ص 51: 53.

    [10] ج 9 من المغني مع الشرح الكبير ص 185 ط المنار.
    [11] ص 364، 365 ط المطبعة الحلبية، حلب سنة 1366هـ، 1947م.
    [12] 10، 11 المرجعان السابقان.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 148 س:115 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة