• حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن الكريم

    سئل في فقيه يقرأ القرآن دعي في مأتم، وأدى القراءة ثلاث ليال، ولم يشترط جعلا مخصوصًا عينه لصاحب المأتم، وبعد انتهاء الليالي المذكورة أعطاه صاحب المأتم الأجرة بحسب حاله وبحسب اللائق أيضًا، فأبى الفقيه المذكور أن يأخذ المبلغ الذي أعطاه إياه، وطلب ضعفه بزعم أنه من مشاهير القراء ذوي الصيت، فهل لا يجاب الفقيه المذكور إلى طلب الزيادة عما يدفعه إليه صاحب المأتم حيث لم يشترط عليه مبلغا معينا، أو يجاب؟

    اطلعنا على هذا السؤال ونفيد أن العلامة ابن عابدين نص في تنقيح الحامدية بصحيفة 126 جزء ثان طبعة أميرية سنة 1300 على أن عامة كتب المذهب من متون وشروح وفتاوى كلها متفقة على أن الاستئجار على الطاعات لا يصح عندنا، واستثنى المتأخرون من مشايخ بلخ تعليم القرآن، فجوزوا الاستئجار عليه، وعللوا ذلك في شروح الهداية وغيرها بظهور التواني في الأمور الدينية، وبالضرورة وهي خوف ضياع القرآن، لأنه حيث انقطعت العطايا من بيت المال، وعدم الحرص على الدفع بطريق الحسبة، يشتغل المعلمون بمعاشهم، ولا يعلمون أحدا ويضيع القرآن، فأفتى المتأخرون بالجواز لذلك، واستثنى بعضهم أيضًا الاستئجار على الأذان والإمامة للعلة المذكورة؛ لأنهما من شعائر الدين ففي تفويتهما هدم الدين، فهذه الثلاثة مستثناة للضرورة، فإن الضرورات تبيح المحظورات... إلى أن قال: «وقال في الهداية: الأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ... إلخ»»، فالاستئجار على الطاعات مطلقا لا يصح عند أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، قال في معراج الدراية: «وبه قال أحمد وعطاء والضحاك والزهري والحسن وابن سيرين وطاوس والشعبي والنخعي، ولا شك أن التلاوة المجردة عن التعليم من أعظم الطاعات التي يطلب بها الثواب، فلا يصح الاستئجار عليها؛ لأن الاستئجار بيع المنافع، وليس للتالي منفعة سوى الثواب، ولا يصح بيع الثواب؛ ولأن الأجرة لا تستحق إلا بعد حصول المنفعة للمستأجر، والثواب غير معلوم».

    ثم قال: «ورأيت التصريح ببطلان الوصية بذلك في عدة [مواضع]، وعزي في بعض الكتب إلى المحيط السرخسي والمحيط البرهاني والخلاصة والبزازية، فإذا كانت الوصية للقارئ لأجل قراءته باطلة؛ لأنها تشبه الاستئجار على التلاوة، فالإجارة الحقيقة تكون باطلة بالأولى، فهذه نصوص المذهب من متون وشروح وفتاوى متفقة على بطلان الاستئجار على الطاعات، ومنها التلاوة كما سمعت، إلا ما استثناه المتأخرون للضرورة كالتعليم والأذان والإمامة، ولا يصح إلحاق التلاوة المجردة بالتعليم؛ لعدم الضرورة إذ لا ضرورة داعية إلى الاستئجار عليها بخلاف التعليم». اهـ، ومثل ما ذكره العلامة في التنقيح، ذكره أيضًا في رد المحتار، وفي حاشيته على البحر، وخالفه العلامة المرحوم الشيخ المهدي في فتاواه حيث قال بصحيفة 155 من الجزء السابع ما نصه: «وأما الموصى به للتجهيز والتكفين وقراءة الصمدية والعتاقة والختمات فالمبلغ الذي عينه لذلك بعد تحقيق ما ذكر شرعًا ضمن دعوى أحد الورثة على الباقي، أو مأذون له في الخصومة من قبل القاضي يخرج منه مؤن تجهيزه وتكفينه الشرعيين، وما بقي يصرف لجهة الخيرات التي عينها الموصي، وهذا بناء على ما عليه عمل الأمة في ديارنا في سائر الأزمان من حكام الشرع والعلماء، وبنوه على فتوى المتأخرين من جواز أخذ الأجرة على الطاعات للضرورة، ولتساهل الناس وتكاسلهم في الأمور الخيرية، كما صرحوا بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والإمامة والأذان، وهذا بخلاف ما أفتى به العلامة خير الدين الرملي في فتاواه المشهورة، وجرى عليه الأستاذ ابن عابدين، وأول في هذه المسألة وقصر فتوى المتأخرين على نحو التعليم والإمامة، واستدل بأنهم عللوا ذلك بالضرورة، وأنه لا ضرورة في غير ذلك من الختمات والعتاقات والسبح، وبنى على ذلك بطلان الوصية لمثل ذلك والوقف على مثل هذه الخيرات، وحرم قراءة القرآن بشيء لمن يقرؤه، وأثم القارئ والدافع، وجزم بعدم حصول الثواب على شيء من ذلك، وما نقله في ذلك يمكن حمله على ما ذهب إليه المتقدمون، وهذا كله مخالف لما عليه عمل الناس من العلماء والقضاة وعامة المسلمين، وهو مستفاد من بعض عبارات كتب المذهب بناء على فتوى المتأخرين -وإن لم يرتضه الأستاذ المذكور- والتعليل بالضرورة وتكاسل الناس المعلل به فتوى المتأخرين لا مانع من تحققه في مثل ذلك لا سيما في هذا الزمان، وقد كثرت وتدوولت أوقاف المسلمين بمثل ذلك، وتحررت به الحجج الشرعية، وحكم به من حكام الشريعة الحنيفية بين ظهراني العلماء في كل زمان». انتهى.

    والذي قاله ابن عابدين فيما يتعلق بالاستئجار على تلاوة القرآن المجردة عن التعليم وما ماثل ذلك، وأخذ الأجرة على ذلك هو الموافق للقواعد الشرعية ولنصوص المذهب، وإن كان مخالفا لعمل الناس؛ فإن عمل الناس لا يكون حجة مع مخالفته النصوص الشرعية، وأما ما قاله الأستاذ الشيخ المهدي من أن التعليل بالضرورة وتكاسل الناس لا مانع من تحققه في مثل ذلك فهو ممنوع؛ لأنه لا بد في جواز أخذ الأجرة على الطاعة من تحقق الضرورة بالفعل كما هو مقتضى فتوى المتأخرين، ولا يمكن القول بأن تلاوة القرآن المجردة عن التعليم تحقق فيها الضرورة بالفعل، فإنها غير محققة قطعا، ومجرد عدم المانع من تحققها في ذلك لا يكفي، ومن ذلك يعلم أن قول المتقدمين والمتأخرين على عدم جواز الاستئجار على قراءة القرآن المجردة عن التعليم، وعدم جواز أخذ الأجرة عليها، فلا يستحق القارئ أجرة إذا استؤجر لمجرد تلاوة القرآن، ولا يحل له أخذ الأجرة على ذلك كما لا يحل للمعطي أن يعطيه.

    والله أعلم.

    المبادئ:-

    1- لا يجوز أخذ الأجرة على تلاوة القرآن الكريم ويأثم الدافع والقارئ بأخذ الأجرة.

    2- يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم والأذان والإمامة للضرورة.

    بتاريخ: 26/11/1917

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 26 س:15 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد بخيت المطيعي
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة