• ضمان الطبيب

    إن السائل في عام 1949 كان مريضًا بالمسالك البولية، ودخل مستشفى الأمريكان بطنطا للعلاج وتقرر له إجراء عملية جراحية ثم عاوده المرض مرة أخرى فأجريت له عملية تحويل البول من مجراه الطبيعي -القبل- إلى مجرى البراز -الدبر- دون استشارته ودون إذنه، ولم تحصل منه المستشفى على إقرار كتابي بموافقته على إجراء هذه العملية، وبعد إجراء هذه العملية تبين له حصول ضرر شرعي حدث له من جراء هذه العملية حيث فقد الناحية الجنسية.

    وطلب السائل بيان الحكم الشرعي فيما لو تقدم بدعوى تعويض ضد المستشفى عما أصابه من أضرار جسيمة وحكم له بالتعويض، فهل يكون مبلغ التعويض الذي يحكم له به حلالًا شرعًا، أم حرامًا؟

    جاء في حاشية ابن عابدين الحنفي على الدر المختار: «ولا ضمان على حجام وفصاد لم يجاوز الموضع المعتاد، وكان بالإذن.

    قال في الكافي: عبارة المختصر ناطقة بعدم التجاوز وساكتة عن الإذن، وعبارة الجامع الصغير ناطقة بالإذن ساكتة عن التجاوز فصار ما نطق به هذا بيانا لما سكت عنه الآخر».

    ويستفاد من مجموع الروايتين اشتراط عدم التجاوز والإذن لعدم الضمان، حتى إذا عدم أحدهما أو كلاهما يجب الضمان، «ولو شرط على الحجام ونحوه العمل على وجه لا يسري لا يصح؛ لأنه ليس في وسعه إلا إذا فعل غير المعتاد فيضمن» عمادية.

    وفي تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين أيضًا: «سئل في طبيب غير جاهل طلبت منه امرأة مريضة دواء لها فأعطاها دواء شربته في بيتها فزعم ابنها أنه قد زاد مرضها بالدواء المذكور وأن الطبيب يلزمه ديتها إذا ماتت من المرض المذكور، فهل لا يلزمه شيء ولا عبرة بزعمه؟ الجواب: نعم وجاء في حاشية الدسوقي المالكي على الشرح الكبير: «وكذا الختان والطبيب» فلا ضمان إلا بالتفريط فإذا ختن الخاتن صبيا أو سقا الطبيب المريض دواء أو قطع له شيئًا أو كواه فمات من ذلك فلا ضمان على واحد منهما لا في ماله ولا على عاقلته؛ لأنه مما فيه تغرير فكأن صاحبه هو الذي عرضه لما أصابه، وهذا إذا كان الخاتن أو الطبيب من أهل المعرفة، ولم يخطئ في فعله، فإذا كان قد أخطأ في فعله -والحال أنه من أهل المعرفة- فالدية على عاقلته، فإذا لم يكن من أهل المعرفة عوقب»، وجاء في المغني لابن قدامة الحنبلي والشرح الكبير: «ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا طبيب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم».

    وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم ولهم بها بصارة ومعرفة؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة الفعل، وإذا قطع مع هذا كان فعلا محرما فيضمن سرايته كالقطع ابتداء.

    الثاني: أن لا تجني أيديهم فيتجاوزا ما ينبغي أن يقطع.

    فإذا وجد الشرطان لم يضمنوا؛ لأنهم قطعوا قطعا مأذونا فيه فلم يضمنوا سرايته كقطع الإمام يد السارق إذا فعل فعلا مباحا مأذونا في فعله فأما إذا كان حاذقا وجنت يده مثل أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها أو قطع في غير محل القطع أو قطع بآلة يكثر ألمها أو في وقت لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ضمن فيه كله؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ فأشبه إتلاف المال؛ ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداء.

    وهذا مذهب الشافعي وأصحابه لا نعلم فيه خلافا.

    هذه هي النصوص الفقهية التي وردت في كتب الفقه في المذاهب المختلفة خاصة بموضوع الضمان في الحالات التي تماثل الحالة موضوع السؤال، وبالتأمل فيها يتبين أن الفقهاء قد اتفقوا على أن الطبيب الذي يجري جراحة لمريض ثم يترتب على إجرائها ضرر بالمريض لا يضمن إذا توفرت فيه الشروط الآتية: أولًا: أن يكون الطبيب ذا خبرة في فنه وحذق في صناعته، وبالتعبير المصطلح عليه أن يكون جراحا أو إخصائيا في الجراحة، فإذا لم يكن كذلك بأن لم يكن طبيبا أصلا أو كان طبيبا لا معرفة له بالجراحة فإنه يضمن بمجرد الفعل بل ويعاقب على فعله؛ لأنه يكون متعديا في فعله ومرتكبا محرما شرعًا ولو لم يقع منه خطأ فني في العمل.

    ثانيًا: أن يكون مأذونا من المريض أو ممن له ولاية عليه في إجراء الجراحة، وعبارة ابن قدامة الحنبلي في المغني تدل على أنه متى كانت الجراحة لازمة وكان الطبيب حاذقا تكون الحالة مأذونا فيها بالإذن العام كالإمام يقطع يد السارق يعتبر فعله مباحا ومأذونا فيه لا يضمن ما يترتب عليه من السراية، فكذا هذا.

    ثالثًا: أن لا يقع من الطبيب خطأ فني في العمل ولا إهمال في الاحتياط اللازم لنجاح الجراحة وتلافي المضاعفات التي يحتمل حدوثها في مثل حالة المريض وحالة الجراحة.

    رابعًا: ألا يجاوز الطبيب الموضع المعتاد للجراحة إلى غيره ولا القدر المحدد لها إلى أكثر منه.

    فإذا توافرت هذه الشروط كلها فلا ضمان على الطبيب إذا ترتب على الجراحة ضرر بالمريض يستوجب الضمان؛ لأنه يكون حينئذ في غير طاقته وخارجا عن إرادته.

    أما إذا تخلف شرط من هذه الشروط بأن كان الطبيب غير عالم في فنه أو أجرى الجراحة بدون إذن خاص أو عام أو وقع منه خطأ فني في عمله ترتب عليه الضرر، أو جاوز المكان المعتاد أو تعدى القدر المعتاد أو أهمل أو قصر في الاحتياط كأن استعمل آلة غير صالحة أو عمل في وقت غير صالح أو مع قيام حالة بالمريض غير ملائمة فإنه يكون ضامنا لما يصيب المريض من أضرار نتيجة لعمله وجراحته.

    وهذا الذي قرره الفقهاء من مئات السنين هو ما استطاعت القوانين الوضعية والتشريعات الحديثة أن تصل إليه بعد أن اصطدمت بالواقع وانتزعت قواعدها وأحكامها من تجارب الأحداث، وظاهر مما ذكر أنه متى كان الضمان واجبا على الطبيب في الأحوال التي أشير إليها وحكم بالضمان فإنه يحل لمن وجب له الضمان أن يأخذه شرعًا.

    ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.

    المبادئ 1- اتفق الفقهاء على أن الطبيب الذي يجري جراحة لمريض ثم يترتب على إجرائها ضرر به لا يضمن الطبيب أثر هذه الجراحة للمريض إلا إذا تحققت شروط إدانته شرعًا.

    2- متى كان الضمان واجبا على الطبيب وحكم به فإنه يحل أخذه شرعًا لمن وجب له.

    بتاريخ: 22/4/1962

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 326 س:94 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: أحمد محمد عبد العال هريدي
    تواصل معنا

التعليقات