• المسائل البيروتية وكلمة في مقدمتها

    بسم الله بالرحمن الرحيم.

    الأستاذ العلامة السيد محمد رشيد رضا حفظه الله.

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى، وبعد فقد هدانا الله لاقتناء تفسيركم الجليل، ومناركم الأغر على رغم من يخوفنا من التقرب إليكم أو مطالعة كتبكم أعداء الدين، علماء السوء بدون أن يستطيعوا أن يبرهنوا بدليل معقول على مبدئهم السيء.

    نعم أصبحنا ولله الحمد نطالع كتبكم التي ينطق لسان حالها بما أمر الله به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فنجد فيها كنزًا لا يفنى فنزداد بها حبًّا، وندعو من نحبه لاقتنائها.

    قد عودتمونا أن لا نسير في الظلمات أو مكبين على وجوهنا، وأن ننبذ التقليد ونجيل النظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه دعوة سامية تهواها الفطرة، ويقدسها العقل، فأصبحنا ولله الحمد بترك التقليد أحرارًا غير عبيد للعبيد؛ إنما قد اعترانا بعض الصعوبات لتطبيق فكرتكم السامية تطبيقًا كاملًا شأن كل حديث، فالتجأنا إليكم لتهدونا إلى أقوم السبيل، وما كنا بشاغلي فضيلتكم بالإجابة على سؤالنا لو وجدنا في كتب التفسير أو في أجزاء المنار الأخيرة بغيتنا بكاملها.

    فهذه أسئلة كلها بقصد التعلم والاستفادة، فتكرموا بالإجابة عليها في مناركم الأغر؛ لتكون الفائدة أعم، إذ نرى أن من الصعب أخذ الأحكام من الكتاب والسنة لمن لا يتمكن من الانقطاع للتفقه، خصوصًا وقد اختلف في كثير منها كبار العلماء والأئمة المجتهدون رضي الله عنهم رغم انقطاعهم للعلم، ولم يكن اختلافهم في الفروع المستنبطة من أحاديث غير متواترة فحسب، بل في الأركان وأعمال أجريت من قِبَل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ألوف المرات.

    فكيف بنا اليوم ونحن مضطرون للسعي لمعيشة عيالنا، وتضحية أعظم أوقاتنا بذلك نظرًا للضائقة المعلومة، أليس من الضروري أن نحيط بعلم الحديث بكامله؟ نعم إن آيات الأحكام في القرآن الكريم لا تتجاوز المائة وخمسين كما يقال؛ ولكنها غير مفصلة ولا يمكن الاكتفاء بها دون السنة والحديث.

    فما العمل يا سيدي العلامة؟ أما إذا أردنا أن نتبع ما قاله الإمام الشوكاني رحمه الله من سؤال العامي للعالم عن المسألة ودليلها، فيصبح المتعلم عاميًّا لعدم استطاعته تخصيص عمره لاستنباط ذلك من القرآن والسنة، ومن جهة ثانية قلما نجد عالمًا يهدينا إلى الدليل ولو طلبنا إليه ذلك، وأكثر ما هنالك يقول كما في الكتاب الفلاني أو حاشيته، فاهدونا هدانا الله وإياكم إلى طريقة نسير بها على نور ونطمئن بها في ديننا.
     

    1- قولك في الذين يخوفونك من كتبنا، ولا سيما تفسيرنا أذكرك في دفعه بأنه لا يوجد فيهم أحد يصح أن يسمى عالمًا من علماء التقليد فضلًا عن علماء الاستقلال، وإن كان دون إمامة الاجتهاد، وإنما هم أحد فريقين معممٌ جامد حاسد، أو عامي مقلد لحاسد، ممن لا يميز بين الحق والباطل، ويقل في كل منهما من اطَّلَعَ على المنار أو تفسيره، أو علم بما لهما من المكانة عند أكبر علماء الأقطار الإسلامية وأولها مصر، فأكبر علمائها على الإطلاق يفضلون تفسير المنار على تفاسير المتقدمين والمتأخرين في الهداية، وحاجة العصر إليه وغير ذلك، كالعلامة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأشهر، والعلامة الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية وغيرهما، ولا نعلم أنه يوجد عالم رسمي في مصر يصد عن سبيل الله التي يبينها المنار وتفسيره إلا شيخ السوء الذي خذله الله خذلانًا لم يسبق له في العالم الإسلامي نظير، حتى أجمع أهل العلم وطلابه على إهانته وإسقاطه في الأزهر وسائر معاهد العلم، وعدم الثقة بعلمه ولا بدينه ووافقهم جمهور الأمة، ولم يتبعه في ضلاله وإضلاله إلا شيخ واحد أعمى البصيرة والبصر، وحسبكم كتاب المنار والأزهر مبينًا لهذه الحقائق، وحسبكم من وصف هذا الأعمى افتراؤه الكذب الصريح على من يحسده ويذمه، وتفضيله كتب مقلدة المقلدين من الدرجة الخامسة على نصوص من الكتاب والسنة، وعلى كتب قدماء الأئمة، ولا سيما حفاظ الحديث منهم، ونصره للبدع على السنة، وأفظع من كل ذلك تكفيره لمن يؤمن بظاهر نصوص القرآن في صفات الله تعالى، كالسلف الصالح بدون تأويلات بعض خلف المتكلمين لها، ونحمد الله تعالى أن كفانا شر هؤلاء الحاسدين الجامدين، وجعل لنا حظًّا من الوراثة المحمدية في قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ[٩٥]﴾ [الحجر: 95]، وكان آخر نصر لنا عليهم ظهور كتابنا الوحي المحمدي وما كان له من التأثير والتفضيل في العالم الإسلامي حتى أنه طُبع في العام الماضي الذي ظهر فيه مرتين، وهو يُطْبَع الآن الطبعة الثالثة قبل انتهاء السنة الثانية.

    2- إن ما ندعوكم إليه من هداية الكتاب والسنة واجتناب التقليد المذموم بالنصوص لا يستلزم الاطلاع على جميع كتب الأحاديث ولا على أكثرها، ولا القدرة على استنباط الأحكام منها ومن القرآن، ولا على ترجيح بعض أقوال المجتهدين على بعض، فأهم أحكام الدين الواجبة على كل مسلم هي المجمع عليها التي لا اجتهاد لأحد فيها، وهي قسمان أعلاهما المعلوم من الدين بالضرورة الذي يعد جاحده كافرًا كفر خروج من الملة، ولا يعذر المسلم بجهله إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في شاهق جبل لم يعاشر المسلمين كما قال علماء العقائد والفقه جميعًا، والقسم الآخر يعذر بجهله العوام، وقد فصلنا ذلك مرارًا في المنار وفي تفسيره.

    وما زاد على الأحكام المجمع عليها وهو الأحكام الخلافية الاجتهادية، فأمرها أهون؛ لأن جهلها لا ينافي الإسلام، والعلم بالمنصوص منها أسهل، وأخذه من كتب أهل الحديث أقرب من أخذه من كتب فقهاء التقليد، وسنذكر لكم أهم كتبها.

    وأهم من هذه الأحكام الفقهية الاجتهادية هداية الكتاب والسنة في العلم بالله وتوحيده، وأصول الإيمان وشعبه وثمراتها من التقوى والتوكل والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله وإعلاء كلمته، وإعزاز دينه، ولا تجد في كتب الفقه من هذا شيئًا، وكتب التصوف ممزوجة بالبدع والخرافات إلا قليلًا منها، فهذا أهم ما ندعوكم إليه، وكل سورة من سور القرآن حتى القصيرة تعطي متدبرها من هذه الهداية ما لا تغني غناءه الكتب الطويلة من دونها، كما رأيتم في تفسيرنا للفاتحة وخواتم سور القرآن، ويمتاز تفسير المنار على جميع التفاسير بأنه مؤلف لأجل هذه الهداية من أقرب طرقها إلى الفطرة والعقل وصحيح النقل، وقد شرعنا في (التفسير المختصر المفيد) الذي يسهل على كل قارئ فهم القرآن والاهتداء به، فنسأل الله تعالى توفيقنا لإتمامه، ونرجو من جميع إخواننا الدعاء لنا بذلك، وكتاب واحد من كتب الصحيح أو السنن يكفي في هذه الهداية، وخيرها صحيح مسلم؛ لأنه أسهل من صحيح البخاري وأحسن جمعًا وإفادة، وإن كان للبخاري مزايا أخرى.

    3- إن ما ذكرتموه عن القاضي الشوكاني من سؤال العامي للعالم عن المسألة التي يجهلها، وعن دليلها قد قاله غيره من دعاة الاتباع، النهاة عن الابتداع، وهو يقابل ما يقوله المقلدون من وجوب سؤال علماء المذهب الذي ينتمي إليه والأخذ بما يقولونه له بغير دليل؛ فإنه بزعمهم ليس أهلًا لفهم الدليل، وهو زعم باطل بالبداهة؛ فإن العامي يكتفي من الدليل بالإجمالي، حتى قول العالم: إن في مسألته حديثًا صحيحًا صريحًا، أو ليس فيها نص، فيعمل فيها بأصل البراءة، وبحديث «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ فَلا تَسْأَلُوا عَنْهَا» وقد فصلنا هذه المسائل من قبل في مواضع من المنار، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ من سورة المائدة وقد جمعنا ما كتبناه فيها مع غيره في كتاب يسر الإسلام ومنه يُعْلَم خلاف ما استشكله السائل هنا.

    ولكن المُشكَل الذي يعسر حله قلة علماء الكتاب والسنة، واعتماد أكثر مدعي العلم على كتب المتأخرين، وأكثر ما فيها آراء لمؤلفيها لا يعرف منها ما له أصل، وما ليس له أصل من الكتاب والسنة، فلا يشعر قارئها بأن له صِلَة بربه ولا يميز بينه وبين ما زيد عليها من الخرافات والجهالات والبدع.

    وأكبر شبهاتهم على إيثار هذه الكتب أن فهم الدين منها أسهل من فهمه من الكتاب والسنة، وهي شبهة باطلة؛ فإن بيان الله أفصح وأجلى من كل بيان، ويليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كلَّفه بيانه دون غيره.

    4- أن أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم بعد طاعته وطاعة رسوله؛ إنما يطاعون في الحكم بما شرعه من الأحكام، وجعل لهم حق الاجتهاد فيما لا نص فيها من القضايا والمصالح، ولم يجعل لأحد حقًّا في تشريع العقائد ولا العبادات ولا التحريم الديني، وهذه الكتب ممزوجة بما لا حق لأصحابها فيه من التشريع، ومن شرع في الدين فقد جعل نفسه شريكًا لله كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 1033 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة