• حكم التقليد الأعمى

    هل يوجد دليل شرعي للمقلد ينجيه يوم الحساب باتباعه من قلده اتباعًا أعمى؟ وما أقوى دليل للمقلدين غير ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] لأنه لا حجة لهم بها؟ فإذا كان الجواب سلبيًّا فكيف سكت عن هذا علماء كثيرون ممن ينتمي للمذاهب، والذين ألفوا كتبًا عظيمة حصروها في مذهبهم فقط؟

    إن أصول عقائد الإسلام وضروريات أحكامه المجمع عليها قطعية، يجب على كل مسلم العلم القطعي بها، ولا مجال فيها لتقليد أحد، والتقليد فيها مخالف لنصوص القرآن القطعية، ومن مفاسده أن أهله لا ثقة لهم بدينهم؛ وإنما هو رابطة جنسية أو اجتماعية لهم قد يتركونها لترجيح رابطة أو منفعة أخرى عليها، كما هو واقع في بلاد الترك من حكومتهم، ومن أفراد كثيرين في البلاد التي فشا فيها الإلحاد والتفرنج.

    وقد نُقل إلينا في هذه الأيام أن أحد الوطنيين من طائفة المسلمين الجغرافيين قال لبطرك الموارنة في لبنان: إنه مستعد للتعمد بالنصرانية المورانية التي هو رئيسها إذا هو فاز بما يعارض به عميد فرنسة في سورية ولبنان في مسألة احتكار الدخان، فمثل هذا القول لا يمكن أن يصدر من مؤمن بدين الإسلام؛ لأنه كفر صريح به لا يتوقف على التعمد الماروني، بل فقد قائله الشعور بشرف الرابطة الإسلامية نفسها.

    ودعاة التقليد الأعمى من المعممين الجاهلين يحتجون على جواز التقليد وصحته بتعذر العلم الاستدلالي، وفهم نصوص الإسلام في هذا العصر فلم يبق إلا التقليد؛ وإنما يعنون تقليد الناس لهم على جهلهم، ولو كانوا على علم بدينهم لأمكنهم أن يعلموا غيرهم ما يكونون به مثلهم، ولما قالوا: إن هذا العلم صار متعذرًا، وليس متعذرًا في نفسه بل هو في منتهى اليسر، وإذا كان يغرهم أن بعض الأميين ومن في حكمهم من العوام يثق بما يقولون له: إنه دين من غير بينة، أفلا يرون أن جميع المتعلمين في المدارس العصرية لا يقيم لعلمهم وزنًا، ولا يقبل منهم قولًا؟ وأما السؤال عن سكوت كثير من المؤلفين عن بيان هذه المسائل المهمة؛ فسببه الجهل، وما أهلك المسلمين وأضاع دينهم عليهم بعد أن لبس عليهم الحق بالباطل إلا أمثال هذه الكتب، التي ينقل بعض ملفقيها عن بعض، ما ليس للناقل ولا للمنقول عنه به علم، وهل جاء قولهم، بل اعتقادهم بتعذر العلم اليقيني بالإسلام إلا من اعتمادهم على هذه الكتب، وهل يصدون أمثالكم عن كتبنا إلا لجهلهم وعجزهم هذا؟

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 1035 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة