• التعارض بين القرآن والإجماع

    إذا تعارض القرآن والإجماع في أمر؛ فبأيهما نأخذ؟ قال بعض العلماء: نأخذ بالقرآن، وقال أحد كبار الفقهاء نأخذ بالإجماع -واستشهد الفقيه المشار إليه على صحة رأيه بقوله: إن القرآن فرض نصيبًا من الصدقة للمؤلفة قلوبهم- وجاء الإجماع فقرر إلغاء هذا النصيب؛ لأن الإسلام أصبح قويًّا ومنتشرًا، وليس بحاجة إلى تأليف القلوب.[1]

    إني لأستنكر هذا التعبير، وأقول: إن القرآن أعظم وأجل من أن يعارضه دليل، وكل ما خالفه فهو خطأ مردود.

    ومن سوء الأدب أن يقال إنه معارِض له، وأسوأ من ذلك أن يقال إنه يرجح عليه.

    وما ذكر في السؤال من سقوط سهم المؤلفة قلوبهم من مستحقي الزكاة لا يصح بل هو باقٍ، ولو صح لما كان حكمه معارضًا للقرآن وراجحًا عليه، بل يقال فيه إن حكمه قد تعذَّر تنفيذه بفقد المستحق له، كما يقال في غيره من غير حاجة إلى ادعاء الإجماع: كالغارمين وابن السبيل، إذا فُقدوا من بعض البلاد، ومثل ذلك كفارة العتق في البلاد التي فقد منها الرقيق.

    قد بينت في تفسير آية الصدقات أن المؤلفة قلوبهم عند الفقهاء قسمان:

    1- كفار، وهم ضربان.

    2- مسلمون، وهم أربعة.

    وأنه حدث في عصرنا أقسام أخرى أولى بالتأليف «فإننا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جمع المسلمين، وفي ردهم عن دينهم، يخصصون من أموال دولهم سهمًا للمؤلفة قلوبهم من المسلمين؛ فمنهم من يؤلفونه لأجل تكفيره وإخراجه من حظيرة الإسلام، ومنهم من يؤلفونه لأجل الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول الإسلامية أو الوحدة الإسلامية، ككثير من أمراء جزيرة العرب وسلاطينها!! أفليس المسلمون أولى منهم بهذا؟». (ص495، ج10 تفسير المنار).

    وقلت: إنه روي عن أبي حنيفة أنه قد انقطع سهم قسم من الكفار بإعزاز الله للإسلام، كالذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم هوازن، ثم منعهم عمر، وقلت: إن هذا اجتهاد من عمر رضي الله عنه أي: فهو يختلف باختلاف الزمن، وقد استمر في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما.

    «وأما من ادعى أنه منسوخ بالإجماع لما تقدم من عمل الخلفاء والسكوت عليه من سائر الصحابة فدعواه ممنوعة: لا الإجماع ثابت بما ذكر، ولا كونه حجة على نسخ الكتاب والسنة صحيحًا، وإن اختلف نسخ الكتاب فيه الأصوليون بما لا محل لذكره هنا».

    وجملة القول: إن سهم المؤلفة قلوبهم ضروري في هذا الزمان بأشد مما كان في أول الإسلام؛ لضعف المسلمين ودولهم، وضراوة الأجانب بهدم دينهم وملكهم، وأنه لا إجماع على ما ذكر في السؤال، وأن الإجماع الأصولي يختلف في إمكانه وفي وقوعه وفي العلم بوقوعه إن وقع، وفي كونه حجة.

    [1] المنار ج35 (1935) ص32.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 1053 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة