• ما يراه الخاطب من مخطوبته

    هل يجوز للعريس أن يختلط بعروسه ويتمتع بها ويقبلها ويعانقها قبل عقد الزواج؛ ليتأكد من صلاحيتها له، وليأمن العيوب الخفية أو لا؟ وما هو رأي ابن حزم في ذلك؟

    إن الفقهاء أباحوا للخاطب أن يرى مخطوبته وأن تراه مخطوبته بحضور أحد محارمها كأبيها أو أخيها أو عمها أو خالها، وأن يكرر هذه الرؤية إذا لم تكف المرة الواحدة بالشرط المذكور، والأصل في ذلك هو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا». رواه الخمسة إلا أبا داود.

    وعن أبي هريرة قال: خطب رجل امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا». رواه أحمد والنسائي.

    وعن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَقَدِرَ أَنْ يَرَى مِنْهَا بَعْضَ مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ». رواه أحمد وأبو داود.

    وعن موسى بن عبد الله عن أبي حميد أو حميدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ». رواه أحمد.

    وعن محمد بن مسلمة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا أَلْقَى اللَّهُ عز وجل فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا». رواه أحمد وابن ماجه.

    وهذه الأحاديث كلها رواها الإمام الشوكاني، وقد قال بعد ما بين صحة سندها وذكر أحاديث أخرى في هذا الباب: «وأحاديث الباب فيها دليل على أنه لا بأس بنظر الرجل إلى المرأة التي يريد أن يتزوج بها».

    والأمر المذكور في حديث أبي هريرة وحديث المغيرة وحديث جابر للإباحة؛ بقرينة قوله في حديث أبي حميد: «فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ».

    وفي حديث محمد بن مسلمة: «فَلَا بَأْسَ».

    وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، وحكى القاضي عياض كراهته، وهو خطأ مخالف للأدلة المذكورة ولأقوال أهل العلم، ثم قال: «وقد وقع في الموضع الذي يجوز النظر إليه من المخطوبة خلاف، فذهب الأكثر إلى أنه يجوز إلى الوجه والكفين فقط، وقال داود: يجوز النظر إلى جميع البدن.

    وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم، وظاهر الأحاديث أنه يجوز النظر إليها سواء أكان ذلك بإذنها أم لا».

    وروي عن مالك اعتبار الإذن. اهـ.

    وقال الإمام النووي الشافعي المذهب في شرحه لصحيح مسلم في هذا الباب عند شرحه لحديث أبي هريرة ولفظه: «قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا».

    وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء، وحكى القاضي عياض كراهته عن قوم، وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث، ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها، ثم إنه يباح النظر إلى وجهها وكفيها فقط؛ لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها، هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين، وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم.

    وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها.

    وهذا خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع، ثم مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز هذا النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها ومن غير تقدم إعلام، لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها مخافة وقوع نظره على عورة.

    وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها.

    وهذا ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن في ذلك مطلقا إلى أن قال: ولهذا قال أصحابنا: يستحب أن ينظر إليها قبل الخطبة حتى إن كرهها وتركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة.

    والله أعلم.

    قال أصحابنا: وإذا لم يمكن النظر استحب له أن يبعث امرأة يثق بها تنظر إليها وتخبره ويكون ذلك قبل الخطبة لما ذكرنا.

    هذه هي آراء الفقهاء في هذا الباب، ولم أر فيما قرأته من كتب الفقه في المذاهب المختلفة ولا في كتب السنة من أباح اختلاط الخاطب بمخطوبته وخروجه معها منفردين كما يفعل بعض الشباب الآن بحجة أنهم يريدون التعرف إلى من يخطبونها من الفتيات.

    أما ابن حزم فقد اطلعت في كتابه المحلى بالصحيفة [30]، [31] من الجزء العاشر فوجدت فيه الآتي: «ومن أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة فله أن ينظر منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن منها وظهر، ولا يجوز ذلك في أمة يريد شراءها، ولا يجوز أن ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط، لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره، وبرهان ذلك قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30].

    فافترض الله عز وجل غض البصر جملة، كما افترض حفظ الفرج، فهو عموم لا يجوز أن يخص منه إلا ما خصه بنص صريح، وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ».

    قال جابر: فخطبت امرأة من بني سلمة فكنت أختبئ تحت الكرب حتى رأيت منها ما دعاني إليها.

    ثم قال: وقد رويناه أيضًا من طرق صحاح من طريق أبي هريرة والمغيرة بن شعبة، فكان هذا عموما مخرجا لهذه الحال من جملة ما حرم من غض البصر، ثم تكلم ابن حزم بعد هذا عما يباح النظر إليه بالنسبة للجارية عند ابتياعها، ولا شأن لنا بهذا الموضوع، ويظهر من هذا أن ابن حزم أباح نظر الرجل إلى من يريد خطبتها واعتبر الأحاديث الواردة في هذا الصدد مخصصة للعموم الوارد في الآية وهو الأمر بغض البصر، أما النظر إلى المخطوبة فلم يتعرض له بأكثر من قوله: «إن له أن ينظر منها متغفلا لها وغير متغفل إلى ما بطن منها وظهر».

    ولعله تابع في ذلك ما نقله الإمامان: النووي والشوكاني منسوبا إلى داود من أنه يجوز عنده النظر إلى جميع البدن، وقد خطأه في هذا الرأي الإمام النووي وهو حجة حيث قال: إنه خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع، ولا يباح النظر إلا إلى الوجه والكفين عند الأئمة الثلاثة، وعند الإمام أحمد لا يباح النظر إلا إلى ما يظهر غالبا كوجه ورقبة ويد وقدم، والإمام مالك الذي أجاز الصلاة مع الكراهة إذا لم تستر العورة الخفيفة لم يبح للخاطب النظر إلى ما عدا الوجه الكفين، ولم يرد عن ابن حزم فيما يتصل بهذا الموضوع اتصالا وثيقا سوى ما قررناه، أما حديث جابر الذي رواه ابن حزم فيجب حمله على ما يوافق باقي الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها المروية عن أبي هريرة والمغيرة بن شعبة وموسى بن عبد الله.

    ومن هذا يتبين بوضوح أن إباحة معانقة المخطوبة وتقبيلها قبل العقد لم يتعرض له ابن حزم، وهو مخالف لما أجمع عليه المسلمون من تحريمه، ولم يقل به أحد من فقهاء المذاهب المعتبرة ولا من رجال الحديث.

    ومنه يعلم الجواب على السؤال بشقيه.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-
    1- أباح الفقهاء للخاطب أن يرى مخطوبته وأن تراه هي بحضور أحد محارمها وأن يكرر هذه الرؤية إذا لم تكف المرة الواحدة.

    بتاريخ: 9/3/1957

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 349-2 س:78 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: حسن مأمون
    تواصل معنا

التعليقات