• منع زواج المحرمات لا استثناء فيه

    يقول السائل أن شابا يمنيا غير متزوج يعيش مع خالته الشابة المطلقة في غرفة واحدة؛ لعدم وجود أقارب لهما، وأن حالتها العصبية سيئة للغاية، وليس لها عمل ولا كسب، وأن دخل الشاب من عمله لا يكاد يكفيهما معا، ولا يستطيع الزواج؛ لضيق المورد ومخافة أن تسيء الزوجة إلى خالته فتتعرض لسوء المصير، وأنه يخشى على نفسه وعلى خالته الوقوع في المحظور إذا لم يتزوجا، وقد نشأ بينهما نوع من الحب نتيجة الاشتراك في المعيشة ويريدان الزواج ببعضهما.

    ويسأل عن حكم الشرع في هذا الزواج ويقول إن آية تحريم النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23]. الآية لم تنص على عقوبة لمن يخالف الحكم كما حدد الشرع عقوبات للجرائم الأخرى كالكفر والقتل والزنا والسرقة، وأيضا فإن آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173]. قد استثنى الله فيها حالات الضرورة، وأباح فيها التناول ونفي الإثم ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]. وحالة الشاب وخالته في نواحيها كلها حالة ضرورة، وينطبق عليها هذا الاضطرار بالفعل.

    فهل يمكن أن يستفيد من هذه الآية الثانية وهو لا يقصد من هذا الزواج إلا إنقاذ خالته من حالتها النفسية ومن الوقوع في الزنا، وإنقاذ نفسه من الوقوع في الزنا وغيره وتهيئة حالة اطمئنان لهما يعيشان في ظلها عيشا هادئا، ويختم السائل حديث سؤاله بقوله إن مزايا هذا الزواج كثيرة، وربما لا توجد مساوئ تنتج عنه، والدين وضع ليعالج جميع الحالات ولو ترك الناس لأنفسهم لأساءوا باسم الدين، ثم يطلب الإفادة عن أسباب منع زواج المحرمات، وعما إذا كان هناك استثناء في مثل الحالة موضوع السؤال، أو لا.
     

    شرع الله سبحانه وتعالى الزواج لتتكون الأسرة أساس المجتمع واللبنة الأولى في بنائه الراسخ، وليستقيم نظام العالم ويبقى الإنسان في عمارة الكون إلى ما شاء الله له من مدى، وجعل الله -جلت حكمته- صلة الزوجية مبعث مودة ورحمة وسكن ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، ووضعت الشريعة الإسلامية السمحة الأسس القوية ليتم هذا النظام على الوجه الأكمل حتى لا يكون الزواج مبعث قلق وشحناء فتنهار دعائم الأسرة، ويؤتى بنيانها من القواعد من حيث يراد تدعيمها وتقويتها والمحافظة عليها.

    والقرابة في جملتها رابطة تستدعي التكريم والاحترام، وهي إذا كانت قريبة وقوية فإنها تتطلب مع ذلك كل معاني العطف والحنو، فإحلال عاطفة المتعة بدافع الشهوة محل التكريم والاحترام فساد في الوضع، وانتكاس في فهم معاني الإنسانية.

    وليست حياة الإنسان عاطفة تقوم على المادة وللمادة، ولكنها المعاني الروحية السامية وما حبا الله به الإنسان من عقل هي التي تنظم حياة الإنسان وتحد من سلطان المادة وتسمو به في مدارج الكمال وتقتضيه رعاية الأسرة ورعاية المجتمع.

    ورابطة الزوجية حين تتخطى فيها حدود الله وينحرف بها عن نظام التشريع الإلهي العادل تكون مثار قلق واضطراب ومبعث أثرة وأنانية يقويها تضارب المصالح وتذكي نارها عوامل الحقد والبغضاء فتقضي على الوفاق والمودة وعاطفة الرحمة والمحبة وتنهار الأسرة من أساسها.

    تلك هي الحكمة التي من أجلها شرع تحريم النساء المذكورات في الآية الكريمة، ولم يستثن الله سبحانه وتعالى من هذا التحريم حالات الضرورة والاضطرار كما استثناها في آية تحريم بعض أنواع الأطعمة في سورة البقرة؛ لأن الحكمة التي اقتضت التحريم في النكاح قائمة في جميع الأحوال والظروف ولا تتخلف مطلقا، وحالات الضرورة والاضطرار التي اقتضت الاستثناء في الآية الأخرى لا تتحقق أبدا في تحريم الزواج ولا مجال للقياس في هذا الشأن مطلقا، أما أمر العقوبة على مخالفة الحكم في تحريم الزواج فهو مقرر وثابت في نصوص أخرى؛ لأن الشارع لما قضى بتحريم زواج النساء المذكورات رتب على مخالفة الحكم ببطلان هذا الزواج، وإذن تكون المعاشرة في هذه الحالة زنا، ويعاقب الفاعل عقاب مرتكب جريمة الزنا، وعند من يرى أن العقد شبهة تدرأ الحد المقرر يجب أن يعاقب الشخص بعقوبة تردعه وتزجره، فليس صحيحًا إذن أن الشارع لم يقرر عقوبة على مخالفة الحكم هنا، وإذن فلا يحل زواج الشخص من خالته مطلقا في أية حال ومهما كانت الأسباب والدواعي.

    ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-

    1- حرمة الزواج من الخالة حرمة مؤبدة ومعاشرتها زنا.

    بتاريخ: 30/4/1966

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 429 س:100 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: أحمد محمد عبد العال هريدي
    تواصل معنا

التعليقات