• المسجد الأقصى وقت الإسراء

    من الشيخ محمد نجيب أفندي ابن الشيخ شمس الدين محمد المدرس بالمدرسة الشمسية في ‏قونتار (الروسية)‏: إن بعضًا من المخالفين اعترض على آية الإسراء، فقال ما حاصله: إن المسجد الأقصى كان خرابًا في ذلك الوقت بشهادة التواريخ الإسلامية فكيف يصح قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1] الآية. انتهى.

    وقد خطر في خاطري في الجواب عنه:

    (أولًا) أن المسجد الأقصى كما يطلق على بنائه يطلق على محله، والمحل باق ألبتة إلا أن يشكله ما وقع في حديث آحادي من ربط البراق في حلقة الباب وهو يفيد الإسراء إلى البناء لا إلى المحل، والآية تحتمل المعنيين.

    (وثانيًا) أن أمر المعراج والإسراء من الأمور العادية لكونه من المعجزات، فهو وإن كان روحانيًا وجسمانيا عندنا إلا أنه ليس بجسماني عادي بل هو شبيه بالروحاني، وأنه من أطوار النبوة ويحصل فيها ما لا يحصل في غيرها.

    وقد روي في الخبر أن النبي عليه السلام رأى ليلة المعراج طوفان نوح عليه السلام، ونار نمروذ عليه اللعنة، ويونس عليه السلام في بطن الحوت من الأمور الماضية، وأهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار من الأمور الآتية، بحيث كوشف بجميع تلك الأمور الحادثة، وما يحدث بأوقاتها لكونه صلى الله عليه وسلم منخلعًا عن قيد الزمان عند هذا الحال، فحضر الجميع عنده بأوقاته فلا يبعد أن يكون رأى المسجد الأقصى بوقت معموريته عند هذا المكان وإن لم يره المحبوس في مطمورة الزمان، ولا مانع من تصديقه من جهة العقل أيضًا بعد الإيقان بأنه من المعجزات؛ لأن شأن المعجزات يكون هكذا فوق طور العقل، وإنما حظ العقل منه العلم بإمكانه وهذا يكفي للإذعان له.

    وأما تعقل المعجزات فهو ليس من وسع العقل بل هو بمعزل عنه، ولا فرق في ذلك بين أمر المعراج وسائر الأمور الخارقة. هذا ما ظهر لي في الأمر والمأمول من الأستاذ زيادة التحقيق والإتقان.
     

    إن هذا الاعتراض ليس بشيء، فذلك المكان المعبر عنه بالمسجد الأقصى كان معروفًا وقد هدم غير مرة وبني، وكان يسمى في حال هدمه وحال بنائه باسم واحد وهو (هيكل سليمان)، يقولون: هدم الهيكل وبني الهيكل وبقي الهيكل مدة كذا خرابًا.

    وقد بنى أنيبال الروماني على أطلاله هيكلًا للمشتري ولم يتغير اسمه عند اليهود لاعتبارهم ذلك شيئًا عارضًا لأمر ثابت لا يزول. ولو استشكل المعترض تسميته مسجدًا لكان له وجه في الجملة، ونقول: إنه أطلق عليه المسجد كما أطلقه على حرم مكة وهو لم يكن يومئذ مسجدًا وإنما كان بيتًا للأصنام، وفي ذلك وجهان: أحدهما أنه سماه مسجدًا باعتبار ما كان عليه وما وضع له، فما بنى إبراهيم وإسماعيل الكعبة، ولا سليمان الهيكل إلا للعبادة الصحيحة. وثانيهما أنه أطلق عليهما اسم المسجد للإشارة إلى ما يؤول إليه أمرهم وهو كونهما مسجدين للمسلمين.

    وما ذكره السائل من كون الإسراء والمعراج من الأمور الروحانية حسن وسبق لنا فيه قول، ولكنه ليس الوجه في تسمية ذلك المكان بالمسجد. ثم إن ربط البراق بالحلقة في بعض الروايات ليس مشكلًا؛ إذ هدم المكان لا ينافي وجود حلقة في أطلاله تربط بها دابة. هذا إذا كان البراق والربط في عالم الحس والملك، فما بالك إذا كان أمرًا ملكوتيًا، أو تمثيلًا روحانيًا[1].

    [1] المنار ج6 (1903) ص699.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 10 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة