• نقض الوضوء بمس الذكر

    نروم من حضرتكم الإعراب عما ترونه في الحديثين الواردين في انتقاض الوضوء وعدمه؛ حديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وحديث: «هل هو إِلا بَضْعةٌ منك» هل الحديثان صحيحان؟ وهل بينهما تعارض؟ وما الذي بان لكم الحق فيه، وما الذي يجب أن نعمل به؟

    الحديث الأول فيه روايات، أصحها وأشهرها حديث بسرة مرفوعًا «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، رواه مالك والشافعي وأحمد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وصححه غير واحد منهم، وقد احتج البخاري ومسلم بجميع رجال سنده، ولم يخرجاه في صحيحيهما لاختلاف وقع في سماع عروة من بسرة.

    قال البخاري: إن مروان حدث به عروة، فاستراب، فأرسل مروان رجلًا من حرسه إلى بسرة فعاد إليه بإثبات الخبر عنها، ومروان مطعون في عدالته وحرسيه مجهول، ولكن ثبت عن غير واحد من الأئمة أن عروة سمع من بُسرة بعد ذلك كما في صحيح ابن خزيمة وابن حبان قال عروة: فذهبت إلى بُسرة فسألتها فصدقته. قال في المنتقى: وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب. ووردت أحاديث أخرى بمعناه. وأما حديث: «هل هو إِلا بَضْعةٌ منك» فقد رواه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني من حديث طلق بن علي بلفظ: الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ قال صلى الله عليه وسلم: «هل هو إِلا بَضْعةٌ منك» صحّحه عمرو بن القلاس ورجحه على حديث بسرة هو وعلي بن المديني والطحاوي وصححه أيضًا ابن حبان والطبراني وابن حزم، ولكن ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي. وقال قوم: إنه منسوخ. منهم ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي لتأخر إسلام بسرة عن إسلام طلق. ولما كان عليه الناس من العمل بحديث بُسرة، لأنها حدثت به في دار المهاجرين والأنصار، ولأن من شواهد حديث بسرة ما رواه طلق نفسه وصححه الطبراني عنه بلفظ: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأ». وجملة القول أن حديث بسرة أصح سندًا، لأن رجاله رجال الصحيحين، وحديث طلق لم يحتج الشيخان برجال سنده، وهو من رواية ابنه قيس عنه. وقال الشافعي: سألنا عن قيس بن طلق لم نجد من يعرفه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: إنه ممن لا تقوم به حجة. فالأول أصح سندًا، ومن رأى عند المصححين لحديث طلق ما ينفي ما طعنوا به على سنده، ولم يثبت عنده النسخ، فله أن يحمله على الرخصة كما قال الشعراني في ميزانه. ويحمل حديث بسرة على العزيمة. أما ترجيح حديث طلق على حديث بسرة فلا وجه له البتة، والله أعلم[1].

    [1] المنار ج7 (1904) ص618-619.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 109 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة