• أثر العنة في عقد الزواج

    ما حكم الشريعة الغراء في امرأة تزوجت رجلًا يكبرها بسبعة عشر عاما وأنجبت منه على فراش الزوجية الصحيحة ولدا وبنتا، ومنذ وضعها للبنت منذ ستة عشر عاما لم يقربها بالمعاشرة الزوجية متعللا بأنه مريض بالقلب، وقد عرض الزوج على العديد من الأطباء ولم يجدوا به مرضا عضويا يمنعه من ذلك، وقد تعرضت الزوجة بسبب عدم قضاء رغبتها الجنسية لحالة مرضية خطيرة جعلتها تطلب من زوجها الطلاق إلا أنه رفض.

    والسؤال: هل من حق هذه الزوجة طلب الطلاق لهذا السبب؟

    اتفق علماء الشريعة الإسلامية على أن سلامة الزوج من بعض العيوب شرط أساسي للزوم الزواج بالنسبة للمرأة بمعنى أنه إذا تبين لها وجود عيب منها فيه كان لها الحق في رفع أمرها إلى القاضي طالبة التفريق بينها وبين زوجها المعيب، والفقهاء وإن اختلفوا في تحديد هذه العيوب إلا أنهم اتفقوا على أن العنة عيب يجيز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها، والعنة -بضم العين وفتحها- الاعتراض من «عن» بالبناء للمفعول، والعنين في اللغة من لا يقدر على الجماع، وشرعًا من تعجز آلته عن الدخول في قبل زوجته وموضع الحرث منها، وأكثر أهل العلم[1] على أن الزوجة إن اعترفت أن زوجها قد وصل إليها بطل أن يكون عنينا، فإذا ادعت عجزه بعد هذا لم تسمـع دعواها ولم تضـرب لـه مـدة، بهذا قـال الإمـام أبـو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وعطاء وطاوس والأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن يحيى وشريح وعمرو بن دينار وأبو عبيد، ومقتضى هذا أن الزوج إذا وصل إلى زوجته وقاعا في مكان الحرث منها ولو مرة فلا يفرق بينهما بما طرأ عليه من مرض وقف به دون تكرار الوصول إلى حرثها، وهذا هو ما روي أيضًا عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إن على الزوجة أن تصبر إن كانت العلة طارئة وكان قد سبق له جماعها»، وقد نص فقهاء المذهب الحنفي في هذا الموضع على أنه[2]: «ولو تزوج ووصل إليها ثم عجز عن الوطء بعد ذلك وصار عنينا لم يكن لها حق الخصومة»، وعلى أنه[3]: « ... فلو جب بعد وصوله إليها مرة أو صار عنينا بعد الوصول إليها لا يفرق بينهما؛ لحصول حقها بالوطء مرة، وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء، ويأثم إذا ترك الديانة متعنتا مع القدرة على الوطء»، وفقه هذا المذهب هو المعمول به قضاء في التفريق بين الزوجين بسبب تعيب الزوج بالعنة، بل على وجه العموم بالنسبة لعيوب التناسل كما تشير إلى هذا المذكرة الإيضاحية للقانونين رقمي 25 لسنة 1920 و25 لسنة 1929؛ إذ جاء بها في الفقرة الخامسة ما يلي: «ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن التفريق بالطلاق بسبب اللعان أو العنة أو إباء الزوج عن الإسلام عند إسلام زوجته يبقى الحكم فيه على مذهب أبي حنيفة»، ومن ثم فلا يسري على الادعاء بالعنة حكم المادة التاسعة من القانون رقم 25 لسنة 1929 كما نبهت إلى ذلك المذكرة الإيضاحية على الوجه السابق؛ لما كان ذلك وكان البادي من السؤال أن هذه الزوجة قد وصل إليها زوجها وأنجبت منه ابنًا وبنتا في مراحل التعليم المختلفة، ثم إنه توقف عن وقاعها منذ حملت في ابنتها التي بلغت سنها الآن ست عشرة سنة، إذ كان ذلك فقد بطل عن هذا الزوج وصف العنة ولم يبق لزوجته هذه حق في طلب التفريق بينها وبينه قضاء بهذا السبب؛ لحصول حقها في المباشرة بينهما والإنجاب، وإن كان الزوج يأثم ديانة إذا ترك وقاعها متعنتا مع القدرة عليه[4].

    ومع هذا ففيما نقل عن الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- النصيحة المثلى لهذه الزوجة إذ عليها وفقا لقوله أن تصبر وتصابر نفسها وتستعين على تهدئة أحوالها ورغباتها الجسدية بالصوم كما نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»[5].

    وليستمع الزوجان إلى قول الله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229].

    وإلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

    وعلى الزوجين الامتثال لأوامر الله سبحانه في القرآن الكريم[6] بالمعاشرة بالمعروف، فإذا استحالت العشرة وانعدم السبب الشرعي للتفريق بين الزوجين قضاء فقد وجه الله سبحانه في القرآن الكريم إلى حل عقدة الزواج بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ...﴾ [البقرة: 229].

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ 1- العنة ابتداء عيب يجيز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها.

    2- اعتراف الزوجة بوصول زوجها إليها مانع من سماع دعواها أنه عنين بعد ذلك.

    3- إذا وصل الزوج إلى زوجته وقاعا في مكان الحرث منها ولو مرة فلا يفرق بينهما بما طرأ عليه من مرض يحول دون الوصول إلى حرثها.

    4- يحصل حق المرأة بالوطء مرة وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء، ويأثم إذا ترك الوقاع متعنتا مع القدرة على الوطء.

    بتاريخ: 26/7/1981

    [1] المغني لابن قدامة الحنبلي مع الشرح الكبير ج 7 ص 610، والمحلى لابن حزم ج 11 ص 269، 270، 271، 272.

    [2] الفتاوى الخانية المطبوعة على هامش الفتاوى الهندية ج 1 ص 412 [ط] ثانية بولاق الأميرية سنة 1310هـ.

    [3] الدر المختار للحصكفي، وشرح تنوير الأبصار للعلائي، وحاشية رد المحتار لابن عابدين ج 2 ص 917، 918، والبحر الرائق لابن نجيم المصري الحنفي ج 4 ص 135.

    [4] المراجع السابقة في فقه المذهب الحنفي.

    [5] صحيح البخاري.

    [6] سورة النساء الآية 19، وسورة الطلاق الآية 6.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 139 س:115 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة