• حكم أكل لحم الآدمي للضرورة

    يقول السائل ما بيان حكم الشرع في الأمرين الآتيين: 1- أنه سمع من بعض العلماء أن لحم الإنسان مباح أكله عند الضرورة، فهل هذا صحيح؟ وما هي هذه الضرورة؟ 2- ما هو الرأي في طعام أهل الكتاب؟ مع العلم بأن الذبح عندهم غير شرعي.

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، عن السؤال الأول: اتفق الفقهاء جميعا على عدم جواز قتل الآدمي الحي وأكله عند الضرورة حتى ولو كان مباح الدم كالحربي والمستأمن والزاني المحصن؛ لأن تكريم الله سبحانه وتعالى لبني آدم يتعلق بالإنسانية ذاتها فتشمل معصوم الدم وغيره، أما أكل لحم الآدمي الميت فاختلف فيه الفقهاء: فقال الحنفية على ما جاء في الدر المختار للحصكفي وحاشية رد المحتار لابن عابدين في الجزء الخامس: إن لحم الإنسان لا يباح في حال الاضطرار ولو كان ميتا؛ لكرامته المقررة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وبهذا أيضًا قال الظاهرية، وقال المالكية: إنه لا يجوز أن يأكل المضطر لحم آدمي؛ لأنه أمر تعبدي، وصحح بعض المالكية أنه لا يجوز للمضطر أكل لحم الآدمي إذا كان ميتا، وأجاز الفقه الشافعي والزيدي أن يأكل المضطر لحم إنسان ميت بشروط منها ألا يجد غيره، وفي الفقه الحنبلي أن لحم الإنسان الميت لا يباح أكله عند الضرورة، وهناك قول آخر بالإباحة ورجحه ابن قدامة في المغني، والذي نختاره للإفتاء هو قول الحنفية والظاهرية وبعض فقهاء المالكية والحنابلة القائلين بعدم جواز أكل لحم الآدمي الميت عند الضرورة؛ لكرامته، والضرورة هي دفع الهلاك وحفظ الحياة.

    وعن السؤال الثاني: طعام أهل الكتاب إن كان لا يحتاج إلى ذكاة -أي ذبح- فلا خلاف بين العلماء في حل أكله، أما ذبائح أهل الكتاب وهم النصارى واليهود فقد قال الشوكاني في تفسيره لآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]- قال: الطعام اسم لما يؤكل ومنه الذبائح، وذهب أكثر العلماء إلى تخصيصه هنا بالذبائح، وفي هذه الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتاب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله، وتكون هذه الآية مخصصة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال وإن ذكر اليهودي اسم عزير على ذبيحته وذكر النصراني على ذبيحته اسم المسيح وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة بن الصامت وابن عباس والزهري وربيعة والشعبي ومكحول، وقال علي وعائشة وابن عمر: «إذا سمعت الكتابي يسمي غير الله فلا تأكل»، وهذا هو قول طاوس والحسن وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: 115] وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم، ثم قال: وهذا الخلاف منصب على ما إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا اسم غير الله على ذبائحهم، أما مع عدم العلم فقد حكى الكيا الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية، ولما ورد في السنة من أكله صلى الله عليه وسلم من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية وهو في الصحيح وغير ذلك، وعلى هذا فطعام أهل الكتاب غير الذبائح حلال ولا شيء فيه، أما ذبائحهم مما تأكد أنه ذكر عليها اسم غير الله لا يحل أكلها، وعند عدم العلم بذلك فيحل أكله لحديث «سم وكل».

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ:-
    1- أكل لحم الآدمي الميت محرم شرعًا إلا عند الضرورة على خلاف في ذلك بين الفقهاء وبشروط معينة.

    2- طعام أهل الكتاب غير الذبائح حلال ولا شيء في، أما ذبائحهم فما تأكد أنه ذكر عليها اسم غير الله لا يحل أكله، وعند عدم العلم بذلك فيحل أكله.

    بتاريخ: 16/1/1980

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 310 س:113 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة