• الحلف على كتاب الله

    يقول سائل: منذ سنتين لمرض خاص أقسمت على الكتاب الكريم ألا أشتري الدخان بهذا النص: «قد بطلت التدخين فعلا».

    فزاد وزني حتى خفت على القلب من السمنة فصرت ألهث إذا ما جريت أو سرت مسرعًا أو تحدثت مسرعًا وقد خاف إخواني الأطباء عاقبة ذلك حتى نصحوا لي بالعودة إلى التدخين.

    فهل من كفارة من ذلك اليمين يوصي بها الدين الحنيف غير صيام الثلاثة أيام؟

    وبعد فإن الحلف بالقرآن العظيم قد تعارفه الناس في أيمانهم مثل الحلف بقولهم: والله العظيم، فيكون يمينا؛ لأن القرآن كلام الله تعالى، وممن ذهب إلى ذلك محمد بن مقاتل، وقال: وبه أخذ الجمهور.

    وقال في الفتاوى الهندية: وبه نأخذ.

    واختاره الكمال بن الهمام الحنفي في فتح القدير كما في الدر وحاشية ابن عابدين، وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في المغني: إن الحلف بالقرآن يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها.

    وبهذا قال ابن مسعود والحسن وقتادة ومالك الشافعي وأبو عبيد وعامة أهل العلم مستدلين بأن القرآن كلام الله وصفة من صفات ذاته تنعقد اليمين به كما لو قال: وجلال الله وعظمته. اهـ.

    وكذلك تعارف الناس -وخاصة في هذه الأزمان- الحلف بالمصحف أو وضع اليد عليه وقولهم: وحق هذا.

    وقد قال العلامة العيني من الحنفية إنه يمين، وأقره صاحب النهر، وقال ابن قدامة: «وإن حلف بالمصحف انعقدت يمينه، وكان قتادة يحلف بالمصحف ولم يكره ذلك إمامنا -يعني أحمد بن حنبل- وإسحاق؛ لأن الحالف بالمصحف إنما قصد بالحلف بالمكتوب فيه وهو القرآن فإنه بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين». انتهى.

    والذي يتجه في النظر أنه يمين منعقدة فإذا حنث الحالف فيها لزمته كفارة اليمين وهي ما ذكر في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89].

    والآية صريحة في أنه لا يصار إلى الصوم إلا عند العجز عن الأنواع الثلاثة المذكورة قبله، وأن الحانث مخير بين هذه الأنواع الثلاثة، وأن مصرف النوعين الأولين هم المساكين وهم كما قال في المغني: «الصنفان اللذان تدفع إليهما الزكاة المذكوران في أول أصنافهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60].

    والفقراء مساكين وزيادة؛ لكون الفقير أشد حاجة من المسكين؛ ولأن الفقر والمسكنة في غير الزكاة شيء واحد؛ لأنهما جميعا اسم للحاجة إلى ما لا بد منه في الكفاية». انتهى، فذكر المساكين في آية الكفارة؛ ليدخل فيهم الفقراء بالأولى، وهذا قول عند الحنفية كما ذكر في الهداية، فلا يجوز أن نصرف هذه الكفارة لغير المساكين، كما هو صريح الآية، فلا تصرف لباقي مصارف الزكاة المذكورين في آية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾، كما ذكره صاحب المغني وهو الذي ينبغي التعويل عليه؛ لصراحة آية الكفارة فيه، والكفارة بالإطعام أن يطعم عشرة مساكين غداء وعشاء في يوم واحد، أو يطعم مسكينا واحدا غداء وعشاء مدة عشرة أيام، ويجوز أن تكون بأن يملك عشرة مساكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير لكل واحد أو يملك مسكينا واحد كل يوم في العشرة هذا القدر المذكور، والكفارة بالكسوة أن يكسو عشرة مساكين لكل مسكين ثوب يستر أكثر بدنه، وجوز الحنفية إعطاء قيمة الطعام والكسوة للمساكين المذكورين؛ لأن المقصود نفعهم وقد تكون القيمة لهم أنفع كما في الزكاة وصدقة الفطر، ومنع إخراج القيمة مالك والشافعي وأحمد، فإن لم يجد الحانث شيئًا من الإطعام والكسوة وعتق الرقبة صام ثلاثة أيام متتابعة، وأجاز أحمد في رواية تفريق الأيام، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه كما نقله في المغني، أما نصف الصاع فقد نقل ابن عابدين في باب صدقة الفطر أنه قدح وثلث بالكيل المصري، فالربع المصري وهو أربعة أقداح يكفي عن ثلاث. انتهى بتصرف.

    وعلى ذلك يعطى العشرة المساكين ثلاثة عشر قدحا وثلث قدح بالكيل المصري من التمر والشعير، وستة أقداح وثلثي قدح من القمح إذا كان الإطعام بطريق التمليك أو قيمة ذلك بحسب السعر الحاضر وقت إخراج الكفارة.

    والله أعلم.

    المبادئ 1 - الحلف على كتاب الله الكريم يمين بالله تعالى تعارف الناس الحلف به وألفاظ الأيمان يراعى فيها العرف.

    2 - متى حنث في يمينه وجبت عليه كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

    بتاريخ: 15/4/1946

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 281 س: 56 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: حسنين محمد مخلوف
    تواصل معنا

التعليقات