• أثر النية في انعقاد اليمين

    امرأة مرضت بالشلل، وأرادت بنتها السفر خارج الديار المصرية لزيارة شقيقتها، فخشي والد هذه الفتاة أن تسافر بنته وتبقى هناك وتترك أمها المريضة فأقسمت بنته على المصحف الشريف أنها لن تبقى عند أختها أكثر من شهر ولن تتعاقد على عمل، ولكن بنته سافرت ومكثت أكثر من شهر وتعاقدت على عمل هناك مخالفة بذلك ما أقسمت عليه على كتاب الله الكريم، ولما واجهها والدها بما أقسمت عليه أجابت بأنها لم تحنث في يمينها؛ لأنها أقسمت بنية أخرى غير الذي أقسمت عليه ومن ثم لم تحنث في يمينها.

    وطلب السائل بيان: هل هذه الفتاة قد حنثت في يمينها، أم لا؟ وإذا كانت قد حنثت، فما هي الكفارة الواجبة شرعا؟ وهل اليمين ينعقد بنية الحالف، أم بنية المستحلف؟

    جاء في الجزء الثالث من رد المحتار لابن عابدين ص 152 وما بعدها: رجل حلف رجلا، فحلف ونوى غير ما يريد المتسحلف إن بالطلاق والعتاق ونحوه يعتبر نية الحالف إذا لم ينو الحالف خلاف الظاهر، ظالما كان الحالف أو مظلوما وإن كانت اليمين بالله تعالى، فلو الحالف مظلوما فالنية فيه إليه، وإن ظالما يريد إبطال حق الغير اعتبر نية المستحلف، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وتقيده بما إذا لم ينو خلاف الظاهر يدل على أن المراد باعتبار نية الحالف اعتبارها في القضاء، إذ لا خلاف في اعتبار نيته ديانة، ومذهب الخصاف تعتبر نيته في القضاء أيضًا إذا كان الحالف مظلوما، وبه يفتى، وأما الحلف بالله تعالى فليس للقضاء فيه مدخل؛ لأن الكفارة حقه تعالى لا حق فيها للعبد حتى يرفع الحالف إلى القاضي كما في البحر، ولكنه إذا كان مظلوما تعتبر نيته فلا يأثم؛ لأنه غير ظالم وقد نوى ما يحتمله لفظه، فلم يكن غموسا لا لفظا ولا معنى، وإن كان ظالما تعتبر نية المستحلف فيأثم إثم الغموس وإن نوى ما يحتمله لفظه، وتصور البر في المستقبل شرط انعقاد اليمين وبقائها؛ لأن اليمين إنما تنعقد بتحقيق البر، فإن من أخبر بخبر أو وعد بوعد يؤكده باليمين لتحقيق الصدق فكان المقصود هو البر، ثم تجب الكفارة خلفا عنه لرفع حكم الحنث وهو الإثم ليصير بالتكفير كالبار، فإذا لم يكن البر متصورا لا تنعقد، فلا تجب الكفارة خلفا عنه؛ لأن الكفارة حكم اليمين، وحكم الشيء إنما يثبت بعد انعقاده كسائر العقود.

    وبالنظر في الحادثة موضوع البحث يتبين أن الحالفة قد نوت باليمين حين حلفها أبوها أمرا آخر غير الذي حلفها عليه أبوها ونواه عند التحليف، ولا نستطيع أن نتبين ما إذا كانت الحالفة ظالمة أو مظلومة حتى يمكن بالتالي اعتبارها حانثة وتجب عليها الكفارة أو لا يمكن اعتبارها كذلك، والحالفة والمستحلف هما وحدهما اللذان يستطيعان التحديد ويمكنهما في ضوء ما ذكرنا من النص الفقهي تحديد الظالم والمظلوم منهما، وبالتالي تحديد ما إذا كانت الحالفة قد حنثت في يمينها أو لم تحنث، وعليهما أن يتقيا الله تعالى فيما يقررانه ويخشيا عقابه.

    والله ولي التوفيق.

    ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.

    المبادئ 1- الحلف بالله تعالى ليس للقضاء فيه مدخل؛ لأن الكفارة حقه تعالى لا حق فيها للعبد حتى يرفع الحالف إلى القاضي.

    2- حكم الشيء إنما يثبت بعد انعقاده كسائر العقود.

    3- كون اليمين بالله تعالى تعتبر النية فيه نية الحالف لو كان مظلوما وإلا اعتبر نية المحلف عند أبي حنيفة ومحمد، ويرى الخصاف اعتبار نية الحالف قضاء، ظالما كان الحالف أو مظلوما.

    4- كون اليمين بالطلاق والعتاق ونحو ذلك تعتبر فيه نية الحالف إذا لم ينو خلاف الظاهر ظالما كان أو مظلوما.

    بتاريخ: 25/7/1968

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 250 س: 103 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: أحمد محمد عبد العال هريدي
    تواصل معنا

التعليقات