• رأي الدين في ضريبة التركات ورسم الأيلولة

    ثار جدل كبير حول ضريبة التركات ونريد أن نعرف الحكم الشرعي بالنسبة لضريبة التركات ورسم الأيلولة.
     

    1- تابعت باهتمام وأناة ما كتبه الكاتبون عن ضريبة التركات والمناقشات الجيدة التي أثارها السادة أعضاء مجلس الشورى من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية حول هذا الموضوع، ولا شك أن هذه الكتابات والمناقشات تمثل لونا حسنا من السعي نحو الإصلاح متى صاحبتها النيات الطيبة والمقاصد الشريفة والحرص على تحقيق الخير والعدل، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، والقوانين واللوائح التي تصدرها الدول قابلة للإلغاء أو التعديل بين الحين والحين؛ لأنها ليست تنزيلا من حكيم حميد، ولأن الأشخاص الذين أصدروها قد يخطئون وقد يصيبون، ولأن اختلاف الظروف وتبدل الأحوال يستلزم مراجعة هذه القوانين واللوائح حتى تساير روح العصر ومقتضيات العدالة ومتطلبات المصلحة للأفراد والجماعات، ولقد قابل المسؤولون في الدولة هذه المناقشات والكتابات عن ضريبة التركات بروح طيبة وبتعليقات حسنة، مما يبشر بأن هناك تعاونا صادقا بين أجهزة الدولة على اختلاف مواقعها، وهذا أمر يتبعه العقلاء دائما؛ لأن القوانين العادلة خيرها يعود على الأمة كلها، أما القوانين الجائرة فشرها يصيب الأمة كلها أيضا.

    2- والذي يتدبر شريعة الإسلام يرى من مزاياها أن الأمور التي تختلف فيها المصلحة باختلاف الأوقات والبيئات والاعتبارات تنص على الحكم فيها نصا قاطعا لا مجال معه للاجتهاد والنظر كتحليل البيع وتحريم الربا، أما الأمور التي تخضع فيها المصلحة للظروف والأحوال فإن شريعة الإسلام تكل الحكم فيها إلى أرباب النظر والاجتهاد والخبرة في إطار قواعدها العامة، ومن أمثلة ذلك ما يفرضه ولي الأمر من ضرائب على الأغنياء في وقت معين ولظروف معينة، فإن هذا الفعل قابل للإبقاء تارة وللإلغاء أو التعديل تارة أخرى على حسب ما تستلزمه مصلحة الأمة.

    3- ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الإنسان إذا فارق الحياة وترك مالا قليلا أو كثيرا فإن هذا المال لا يقسم بين الورثة إلا بعد أداء الحقوق المتعلقة به والتي من أهمها:

    أ) تجهيز المتوفى وتكفينه واتخاذ ما يلزم لدفنه من هذا المال الذي تركه.

    ب) سداد الديون التي في ذمة الميت.

    ج) تنفيذ وصاياه الشرعية.

    ثم بعد ذلك تقسم التركة على الورثة بالطريقة التي نظمتها شريعة الإسلام.

    4- ومن أجمع الآيات التي فصلت الحديث عن ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا[١١] وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ[١٢]﴾ [النساء: 11 - 12].

    5- ويلاحظ عند تدبر هاتين الآيتين أن الله تعالى قد كرر الأمر بعدم تقسيم التركة بين الورثة إلا بعد تنفيذ الوصايا ودفع الديون أربع مرات تأكيدا لحق الدائنين والموصى لهم وتبرئة لذمة المتوفى، فقد قال سبحانه بعد بيان ميراث الأولاد والأبوين: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وقال بعد بيان ميراث الزوج: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وقال بعد بيان ميراث الزوجة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وقال بعد بيان ميراث الإخوة والأخوات لأم: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ كما يلاحظ عند تدبر هاتين الآيتين أيضًا أن الله تعالى قد حدد فيهما معظم الذين لهم حق الميراث في تركة المتوفى، ومن المتفق عليه بين العلماء أنه إذا مات إنسان ولا ورثة له آلت تركته إلى بيت مال المسلمين، أما إذا كان له ورثة فالتركة خالصة لهم بعد وفاء ما عليه من ديون وما له من وصايا ولا يجوز شرعًا أن تشاركهم الدولة أو غيرها في ذلك؛ إذ تقسيم تركة المتوفى قد حددته شريعة الإسلام تحديدا قاطعا وملزما.

    6- وضريبة التركات على حسب ما نعلم عبارة عن اقتطاع جزء من مال الميت تأخذه الدولة بنسبة معينة تختلف قلة وكثرة على حسب حجم المال الذي تركه، فإذا كان الجزء الذي تقتطعه هو ديونا ثابتة لها في رقبة الميت كأن يكون عليه ضرائب أو ما يشبهها ولم يدفعها في حياته، ففي هذه الحالة يكون هذا الجزء المقتطع من تركته هو من باب الديون التي يجب دفعها للدولة ولا يصح للورثة أن يقسموا تركة مورثهم فيما بينهم إلا بعد سداد هذه الديون، أما إذا كان الميت قد دفع جميع ما عليه من التزامات وحقوق للدولة في حياته وليس لها في ذمته شيء ففي هذه الحالة لا يصح للدولة بأية صورة من الصور أن تمس تركته بسوء فضلا عن أن تأخذ شيئًا منها، وإنما تصبح التركة بكاملها خالصة للورثة الشرعيين وليست الدولة واحدا منهم؛ لأنها ليست من الورثة الذين حددهم الله تعالى في كتابه الكريم ووضحهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله وفعله، وإذا خالفت الدولة شريعة الله وسنت من القوانين ما لم يأذن به سبحانه فعلى الذين يملكون السلطة التشريعية وهم أعضاء مجلس الشعب إلغاء هذه القوانين، فإذا لم يفعلوا كانوا مقصرين في حق خالقهم وفي حق الأمة التي وكلتهم عنها في إحقاق الحق وإبطال الباطل.

    7- هذا وليكن واضحا للجميع أنه لا فرق بين ديون الأفراد وديون الدولة، بل إن ديون الدولة أحق بالسداد من ديون الأفراد؛ لأن ديون الأفراد هي حقوق لأشخاص معينين، أما ديون الدولة فهي حقوق في ذمة المدين لجميع أفراد الأمة، وكل من يماطل في دفعها أو يستخف بها يكون آثما وظالما ومرتكبا لفعل محرم نهى الله تعالى عنه، ولقد وردت أحاديث متعددة تحث على دفع الديون لمستحقيها وتحذر من أكلها بالباطل، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- : «كان يؤتى له بالرجل المتوفى وعليه دين فيسأل: هل ترك لدينه فضلا؟ أي: هل ترك من المال ما يسد ما عليه من ديون؟ فإن قيل له: إنه قد ترك وفاء -أي ترك ما يسد ديونه- صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم».

    قال العلماء: وكان ذلك قبل أن تفتح الفتوح، فلما فتح الله تعالى البلاد لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وكثرت الأموال صلى على من مات وعليه ديون وقضى عنه -صلى الله عليه وسلم- تلك الديون، وأخرج الترمذي وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه -أي محبوسة بما عليه من ديون- حتى يقضى عنه»، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله».

    8- أما رسم الأيلولة، فإن كان بمعنى أن تقرر الدولة مبالغ معينة كرسوم على من يريد أن تؤول إليه أموال أو عقارات معينة؛ لكي تصبح مسجلة باسمه فلا شيء في ذلك من الناحية الدينية ما دامت هذه المبالغ المقررة لا ظلم فيها ولا غبن، والذي يقدر ذلك هم أهل الخبرة والاختصاص، أما إذا كان رسم الأيلولة يحمل معنى آخر سوى ما ذكرناه آنفا فعلى السلطة التشريعية في الدولة أن تعدل تلك الرسوم بحيث تتفق مع عدالة شريعة الإسلام وسماحتها ويسرها.

    9- هذا ومن سمات الأمم السعيدة الرشيدة القوية أن تسود فيها روح التعاون الصادق بين أبنائها وأن تؤدي أفرادها ما عليهم من واجبات من قبل أن يطالبوا بما لهم من حقوق، أما الأمم الشقية الجاهلة الضعيفة فهي تلك التي تشيع فيها روح التصارع والأنانية وسوء الظن والمطالبة بالكثير مما هو حق ومما هو غير حق دون أن تقدم الكثرة من أبنائها شيئًا يذكر مما يجب عليهم نحو أوطانهم ومجتمعاتهم.

    والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

    المبادئ 1- إذا مات إنسان ولا ورثة له آلت تركته إلى بيت المال.

    2- إذا كان الجزء الذي تقتطعه الدولة من التركة ديونا ثابتة لها في رقبة الميت ولم يدفعها في حياته، فلا يصح للورثة تقسيم التركة إلا بعد سدادها، أما إذا لم يكن للدولة في ذمته شيء فلا يصح للدولة بأية صورة من الصور أن تأخذ شيئًا من التركة.

    3- إذا خالفت الدولة في قوانينها أحكام الشريعة فعلى السلطة التشريعية إلغاء هذه القوانين، فإذا لم يفعلوا كانوا مقصرين.

    بتاريخ: 28/11/1993

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 8 س: 133 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد سيد طنطاوي
    تواصل معنا

التعليقات