• حكم المطالبة بحصة من صناديق النذور

    سئل بما صورته: ما حكم الشريعة الغراء في الأموال التي ينذرها أصحابها لبعض الأولياء فيضعونها في الصناديق الموجودة بأضرحتهم، هل تصح المطالبة بها من أي شخص يدعي بأن له فيها حقا لانتسابه إلى هذا الولي؟ وإذا كان للضريح أو للمسجد ناظر معين لإدارة شؤونهما من قبل القاضي فهل يكون هذا الناظر حرا في توزيع النذور حسب إرادته؟ وإذا سبق لهذا الناظر عمل اتفاق مع بعض أشخاص على توزيع هذه النذور بطريقة مخصوصة فهل يكون ملزما بتنفيذ هذا الاتفاق أم يكون له حق العدول عنه؟ وإذ توفي من حصل الاتفاق بينهم وبين الناظر أو بعضهم فهل يكون لأحد غيرهم الحق في التمسك بهذا الاتفاق بصفته وارثا لمن حصل الاتفاق معه؟ هذا وأرجو التكرم بالتنبيه بإرسال الفتوى عما ذكر إلي بعنواني الموضح بهذا.

    قال في البحر بصحيفة 320 من الجزء الثاني نقلا عن الشيخ قاسم في شرح الدرر ما نصه: «وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ضرورية فيأتي بعض الصلحاء فيجعل سترة على رأسه فيقول: يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا، أو من الزيت كذا فهذا النذر باطل بالإجماع؛ لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق والنذر لمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق.

    ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك.

    ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر اللهم إلا إن قال: يا الله إني نذرت لك إن شفيت مريضي، أو رددت غائبي، أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة أو الفقراء الذين بباب الإمام الشافعي، أو الإمام الليث، أو أشتري حصرا لمساجدهم، أو زيتا لوقودها، أو دراهم لمن يقوم بشعائرها.. إلى غير ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء.

    والنذر لله -عز وجل-، وذكر الشيخ إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده أو جامعه، فيجوز بهذا الاعتبار؛ إذ مصرف النذر الفقراء وقد وجد المصرف، ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني غير محتاج، ولا لشريف منصب؛ لأنه لا يحل له الأخذ ما لم يكن محتاجا فقيرا، ولا لذي النسب لأجل نسبه ما لم يكن فقيرا، ولا لذي علم لأجل علمه ما لم يكن فقيرا، ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء للإجماع على حرمة النذر للمخلوق، ولا ينعقد، ولا تشتغل الذمة به؛ ولأنه حرام بل سحت، ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه، ولا أكله، ولا التصرف فيه بوجه من الوجوه، إلا أن يكون فقيرا أو له عيال فقراء عاجزون عن الكسب وهم مضطرون فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة فأخذه أيضًا مكروه ما لم يقصد به الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء، ويقطع النظر عن نذر الشيخ.

    فإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين ما لم يقصدوا بصرفها للفقراء الأحياء قولا واحدا». اهـ.

    وحسن الظن بالمسلمين يقتضي حمل أعمالهم على ما يطابق أحكام شريعتهم فوضعهم للأموال في الصناديق الموجودة بأضرحة الأولياء إنما يقصدون به التصدق على الفقراء الموجودين بذلك الضريح لا تمليك صاحب الضريح لجزمهم بموته، ولأن عقيدة المسلمين أن الضار والنافع هو الله -سبحانه وتعالى-، ومتى علم أن هذه النذور صدقات للفقراء فحكمها حكم الصدقة، ومعلوم أن الصدقة لا تملك إلا بالقبض، ولا يختص بها أشخاص من الفقراء بأعيانهم فيستوي فيها القريب من صاحب الضريح والأجنبي عنه، وإذا كان للضريح والمسجد ناظر معين لإدارة شؤونهما من قبل القاضي، وكان من مشمولات نظره تقسيم ما يرد لصندوق النذور وتوزيعه فله تقسيمه وتوزيعه على الفقراء مطلقا بحسب ما يراه في كل وقت، ولا يقيده اتفاق سابق حصل منه مع آخرين.

    والله أعلم.

    المبادئ 1- النذر لمخلوق لا يجوز؛ لوجوه منها: أنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق، ولأن المنذور له ميت والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر.

    2- إذا كان ذكر الشيخ إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده أو جامعه، فيجوز بهذا الاعتبار؛ إذ مصرف النذر الفقراء وقد وجد المصرف.

    3- حسن الظن بالمسلمين يقتضي حمل أعمالهم على ما يطابق أحكام شريعتهم.

    4- لا يجوز لخادم الشيخ أخذه ولا أكله ولا التصرف فيه بوجه من الوجوه إلا أن يكون فقيرا وله عيال فقراء عاجزون عن الكسب وهم مضطرون فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة.

    5- ما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى أضرحة الأولياء تقربا إليهم حرام بإجماع المسلمين ما لم يقصدوا صرفها للفقراء الأحياء قولا واحدا.

    6- متى علم أن هذه النذور صدقات للفقراء فحكمها حكم الصدقة وهي لا تملك إلا بالقبض ولا يختص بها أشخاص من الفقراء بأعيانهم.

    7- إذا كان للضريح والمسجد ناظر معين لإدارة شؤونهما فله تقسيم ما يرد لصندوق النذور وتوزيعه على الفقراء مطلقا بحسب ما يراه في كل وقت ولا يقيده اتفاق سابق حصل منه مع آخرين.

    بتاريخ: 19/3/1927

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 338 س: 29 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: محمد سيد طنطاوي
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة