• كيفية استخلاص أسس التلاحم المنشود بين أصول الشريعة الإسلامية والتشريع العصري

    كيف يمكن استخلاص أسس التلاحم المنشود بين أصول الشريعة الإسلامية والتشريع العصري بما يوافق البنيان أو التركيب الحضاري الراهن لعصرنا ومجتمعنا؟

    لا جدال في أن مصدر الأحكام في الشريعة الإسلامية هو نصوص القرآن والسنة وما يلحق بهما مما أجمعت عليه الأمة، ثم ما هدى إليها اجتهاد علمائها على أساس هذه الأصول، وأن النصوص منها العام القطعي مثل قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ...﴾ [النساء: 29]، وهناك نصوص قطعية خاصة مثل آيات المواريث وتحريم الربا والزنا والخمر والميسر، ومما أجمعت عليه الأمة بطلان زواج المسلمة بغير المسلم، ووجوب نفقة الزوجة على زوجها، ومما قطعت فيه السنة: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وفي هذا النطاق يدور استنباط الأحكام من هذه المصادر في باب المعاملات وفي التقنين الإداري والاقتصادي والتجاري والجنائي ما دامت في نطاق القواعد العامة لهذه الشريعة، ويضيق الوقت والنطاق عن تلاوة آيات القرآن الكريم التي نصت أو أشارت إلى قواعد قانونية في شتى فروع القانون كما اصطلحنا على تسميتها الآن، ففي كتاب الله أهم قواعد القانون الدولي المتعلقة بالسلم والحرب والمعاهدات، ففيه قاعدة المعاملة بالمثل، وفيه حكم الأسرى في الحروب والالتزام بالمبرم من المعاهدات والوفاء بها، ووجوب إعلان إلغاء المعاهدات دون عذر، وفي هذا يقول فقيه مسلم: "وفاء بعهد من غير غدر خير من غدر بغدر"، وفي القرآن الدعوة إلى السلم وفيه العمل على الصلح بين المتنازعين وردع المعتدين، وفيه المساواة بين الناس والدعوة إلى تحكيم الحجة والبرهان والمجادلة بالحسنى وصولا للحق، وفيه المساواة بين الرجل والمرأة في الأهلية حيث حفظ لها رأيها وحريتها لا تذوب ولا تؤول إلى ولاية زوجها كما تقرر أكثر قوانين الغرب الذي نسعى إلى تقليده، وفيه القواعد العامة للمعاملات المدنية، وفيه مبادئ قانون الإثبات مدنيا وجنائيا، وفيه أحكام الزواج والطلاق وتنظيم أمور حقوق الزوجين وفاقا وافتراقا وحقوق الأولاد والوالدين وذوي القربى، وفيه عقوبات محددة للجرائم الماسة بأمن وسلامة المجتمع، وثمت جرائم أخرى ناط تقدير العقوبة عليها بأولياء الأمور، وهذه موضع الاجتهاد ومحل التعديل والتبديل تبعا لتطور الأزمان، وكما قيل يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدث.

    وهذا هو مؤدى القول المشهور: إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ إذ عموم قواعدها ومرونتها تجعلها غير جامدة ولا هامدة، ولا مانع إطلاقا من تحكيم العرف والعادة إذا لم يصادفا نصا قطعيا في القرآن والسنة أو إجماعا سابقا للأمة في عصر من العصور، وقد جرت نصوص الفقهاء المسلمين بذلك أن الدولة الإسلامية حين امتدت أطرافها نقل عمر بن الخطاب نظام الدواوين وطرق جباية الأموال عن الفرس والروم واستخدمهم في هذه الأعمال للقيام بها ولتدريب المسلمين عليها، ومن هنا كان لنا أن ننقل عن غيرنا ما لا يناقض أصول الإسلام، وبعد: فإن كتب فقه الإسلام على اختلاف مذاهبه تحوي الكثير الوفير من القواعد العادلة التي تعالج مشاكل مجتمعنا بروح العصر دون تضييق أو خروج على أحكام الإسلام العامة والخاصة القطعية، وإنه ينبغي أن تكون تلك القواعد هي المورد للمقننين والمصلحين بدلا من أن نستورد ما نشأ على غير أرضنا وفي غير بيئتنا وعاداتنا، وسنجد -إن فعلنا ذلك- أن تشريعنا المستمد من أصول الإسلام عصري يواكب هذه الحضارات التي نعيشها، ويقود المجتمع إلى بر الأمن والسلام حافظا عليه دينه وتقاليده مشمولا برضا الله الذي رضي لنا هذا الدين وجعلنا خير أمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

    المبادئ:-
    1- يحكم العرف والعادة ما لم يصادما نصا قطعيا في القرآن والسنة، أو إجماعا سابقا للأمة في عصر من العصور.

    بتاريخ: 1/4/1979

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 203-8 س: 113 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: جاد الحق علي جاد الحق
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة