• حكم التورُّق المنظّم الذي تجريه بعض البنوك الإسلامية

    ما حكم التورق المنظم الذي تجريه بعض البنوك الإسلامية؟

    التورق المنظم في الاصطلاح المعاصر: هو شراء المُستورق سلعةً بثمن مُؤجَّل، يتولى البائع الممول ترتيب بيعها: إمَّا بنفسه، أو بتوكيل غيره، أو بتواطؤ المُستورق مع البائع، وذلك بثمنٍ حالٍّ أقلّ غالبًا.

    وإن ما تُجريه بعض البنوك الإسلامية من التورق المصرفي المنظم ما هو إلا صورة من صور التحايل على الربا؛ وذلك لأن المقصد الحقيقي من هذه العملية هو الحصول على المال مقابل زيادة؛ حيث يقوم البنك بعملية شراء صورية لبضائع، ثم يبيعها للعميل بمبلغٍ آجل، ومن ثَمَّ يقوم ببيعها مرة أخرى لطرفٍ ثالثٍ بمبلغ أقلّ من المبلغ الأول، ويُعطي العميل المبلغ الحالَّ، ويُقيِّد عليه جميع المبلغ المُؤجَّل.

    وهذا في حقيقته قرض ربوي، وإن كان في ظاهره صورة من صور التورق، وقد ورد عن الإمام مالك رحمه الله أنه سُئل عن الرجل يبيع السلعة بمئة دينار إلى أجل، فإذا وجب البيع بينهما قال المُبتاع للبائع: بعها لي من رجلٍ بنقدٍ، فإني لا أبصر البيع. قال: لا خير فيه، ونهى عنه. "المدونة" (9/ 179).

    وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّمَا الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» متفق عليه.

    فمدار الحكم على المقصد من العقد، وقد قرر الفقهاء أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، خاصةً إذا اعتُضد الفعلُ بمقاصد مدلول عليها بالقرائن، كما في صورة التورق المنظم.

    وعليه فإننا نرى حُرمة التعامل بهذا النوع من العقود؛ لأنه من باب التحايل على الربا المُحرم، وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول في التورق: "أخية الربا"؛ وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ؛ فتَسْتَحِلُّوا محَارِمَ الله بأدْنَى الحِيَلِ» [1].

    لذلك كله يرى المجلس حُرمة التورق المنظم الذي تتعامل به بعض البنوك الإسلامية، وقد صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، المنعقد في دورته التاسعة عشرة (2009 م)، رقم: 179 (5/ 19).

    كما يهيب مجلس الإفتاء بالمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية الالتزام بصيغ الاستثمار والتمويل المشروعة، وتجنُّب الحيل المشبوهة؛ التزامًا بالضوابط الشرعية التي تُحقِّق مقاصد الشريعة.

    والله تعالى أعلم.

    بتاريخ: 29/ 4/ 1433هـ، الموافق: 22/ 3/ 2012م.

     

    [1] "إبطال الحيل" (ص47)، وقال ابن كثير: إسناده جيد.

التعليقات