• حكم الاستنساخ

    ما حكم الاستنساخ؟

    بعد استعراض المجلس للأبحاث المقدمة من أصحاب الفضيلة أعضاء المجلس حول هذا الموضوع وبعد مناقشات مستفيضة. قرر المجلس ما يلي:

    أولًا: يتبنى المجلس ما صدر من مجمع الفقه الإسلامي الدولي من تحريم الاستنساخ البشري وهو القرار رقم 94 (2/10) الذي يتضمن ما يأتي لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه غاية التكريم فقال عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:70]، زينه بالعقل، وشرفه بالتكليف، وجعله خليفة في الأرض، واستعمره فيها، وأكرمه بحمل رسالته التي تنسجم مع فطرته بل هي الفطرة بعينها لقوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:30]. وقد علّم الله الإنسان ما لم يكن يعلم، وأمره بالبحث والنظر والتفكر والتدبر مخاطبًا إياه في آيات عديدة: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ [الأنبياء:44]، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾ [الغاشية:17]، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس:77]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:3]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:4]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:21]، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1]. والإسلام لا يضع حجرًا ولا قيدًا على حرية البحث العلمي إذ هو من باب استكناه سنة الله في خلقه، ولكن الإسلام يقضي كذلك بأن لا يترك الباب مفتوحًا بدون ضوابط أمام دخول تطبيقات نتائج البحث العلمي إلى الساحة العامة بغير أن تمر على مصفاة الشريعة، لتمرر المباح وتحجز الحرام، فلا يسمح بتنفيذ شيء لمجرد أنه قابل للتنفيذ، بل لا بد أن يكون علمًا نافعًا جالبًا لمصالح العباد، ودارئًا لمفاسدهم، ولا بد أن يحفظ هذا العلم كرامة الإنسان، ومكانته والغاية التي خلقه الله من أجلها، فلا يتخذ حقلًا للتجريب، ولا يعتدى على ذاتية الفرد وخصوصيته وتميزه، ولا يؤدي إلى خلخلة الهيكل الاجتماعي المستقر أو يعصف بأسس القرابات والأنساب وصلات الأرحام والهياكل الأسرية المتعارف عليها على مدى التاريخ الإنساني في ظلال شرع الله وعلى أساس وطيد من أحكامه. وقد كان مما استجد للناس من علم في هذا العصر، ما ضجت به وسائل الإعلام في العالم كله باسم الاستنساخ، وكان لا بد من بيان حكم الشرع فيه بعد عرض تفاصليه من قبل نخبة من خبراء المسلمين وعلمائهم في هذا المجال. تعريف الاستنساخ وفق قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي: من المعلوم أن سنة الله في الخلق أن ينشأ المخلوق البشري من اجتماع نطفتين اثنتين تشتمل نواة كل منهما على عدد من الصبغيات (الكروموسومات) يبلغ نصف عدد الصبغيات التي في الخلايا الجسدية للإنسان. فإذا اتحدت نطفة الأب (الزوج) التي تسمى الحيوان المنوي بنطفة الأم (الزوجة) التي تسمى البيضة، تحولتا معًا إلى نطفة أمشاج أو لقيحة، تشتمل على حقيبة وراثية كاملة وتمتلك طاقة التكاثر. فإذا انغرست في رحم الأم تنامت وتكاملت وولدت مخلوقًا مكتملًا بإذن الله، وهي في مسيرتها تلك تتضاعف فتصير خليتين متماثلتين فأربعًا فثمانية. ثم تواصل تضاعفها حتى تبلغ مرحلة تبدأ عندها بالتمايز والتخصص. فإذا انشطرت إحدى خلايا اللقيحة في مرحلة ما قبل التمايز إلى شطرين متماثلين تولد منهما توأمان متماثلان. وقد أمكن في الحيوان إجراء فصل اصطناعي لأمثال هذه اللقائح فتولدت منها توائم متماثلة. ولم يبلّغ بعد عن حدوث مثل ذلك في الإنسان. وقد عُدّ ذلك نوعًا من الاستنساخ أو التنسيل، لأنه يولد نسخًا أو نسائل متماثلة، وأطلق عليه اسم الاستنساخ بالتشطير. وثمة طريقة أخرى لاستنساخ مخلوق كامل، تقوم على أخذ الحقيبة الوراثية الكاملة على شكل نواة من خلية من الخلايا الجسدية، وإيداعها في خلية بُيَيْضة منزوعة النواة فتتألف بذلك لقيحة تشتمل على حقيبة وراثية كاملة، وهي في الوقت نفسه تمتلك طاقة التكاثر. فإذا غرست في رحم الأم تنامت وتكاملات وولدت مخلوقًا مكتملًا بإذن الله. وهذا النمط من الاستنساخ الذي يعرف باسم (النقل النووي) أو (الإحلال النووي للخلية البيضية) وهو الذي يفهم من كلمة الاستنساخ إذا أطلقت، وهو الذي حدث في النعجة «دولي». على أن هذا المخلوق الجديد ليس نسخة طبق الأصل؛ لأن بُيَيضة الأم المنزوعة النواة تظل مشتملة على بقايا نووية في الجزء الذي يحيط بالنواة المنزوعة. ولهذه البقايا أثر ملحوظ في تحوير الصفات التي ورثت من الخلية الجسدية، ولم يبلغ أيضًا عن حصول ذلك في الإنسان[1].

    فالاستنساخ إذن هو: توليد كائن حي أو أكثر إما بنقل النواة من خلية جسدية إلى بييضة منزوعة، وإما بتشطير بييضة مخصبة في مرحلة تسبق تمايز الأنسجة والأعضاء. بعد هذا التعريف أكد المجمع أن: الاستنساخ ليس خلقًا.

    وأضاف المجمع في قراره: ولا يخفى أن هذه العمليات وأمثالها لا تمثل خلقًا أو بعض خلق قال الله عز وجل: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:16]، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة:58-62]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:77-82]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:12-14]. قرارات مجمع الفقه الدولي: وبناء على ما سبق من البحوث والمناقشات والمبادئ الشرعية التي طرحت على مجلس المجمع قرر ما يلي:

    1- تحريم الاستنساخ البشري بطريقتيه المذكورتين أو بأي طريقة أخرى تؤدي إلى التكاثر البشري.

    2- إذا حصل تجاوز للحكم الشرعي المبين في الفقرة (1) فإن آثار تلك الحالات تعرض لبيان أحكامها الشرعية.

    3- تحريم كل الحالات التي يُقحَم فيها طرفٌ ثالث على العلاقات الزوجية سواء أكان رَحمًا أم بُييضة أم حيوانًا منويًا أم خلية جسدية للاستنساخ.

    4- يجوز شرعًا الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد.

    5- مناشدة الدول الإسلامية إصدار القوانين والأنظمة اللازمة لإغلاق الأبواب المباشرة وغير المباشرة أمام الجهات المحلية أو الأجنبية والمؤسسات البحثية والخبراء الأجانب للحيلولة دون اتخاذ البلاد الإسلامية ميدانًا لتجارب الاستنساخ البشري والترويج لها.

    6- المتابعة المشتركة من قبل كل من مجمع الفقه الإسلامي والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية لموضوع الاستنساخ ومستجداته العلمية وضبط مصطلحاته وعقد الندوات واللقاءات اللازمة لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة به.

    7- الدعوة إلى تشكيل لجان متخصصة تضم الخبراء وعلماء الشريعة لوضع الضوابط الخلقية في مجال بحوث علوم الأحياء (البيولوجيا) لاعتمادها في الدول الإسلامية.

    8- الدعوة إلى إنشاء ودعم المعاهد والمؤسسات العلمية التي تقوم بإجراء البحوث في مجال علوم الأحياء (البيولوجيا) والهندسة الوراثية في غير مجال الاستنساخ البشري وفق الضوابط الشرعية حتى لا يظل العالم الإسلامي عالة على غيره وتبعًا في هذا المجال.

    9- تأصيل التعامل مع المستجدات العلمية بنظرة إسلامية، ودعوة أجهزة الإعلام لاعتماد النظرة الإيمانية في التعامل مع هذه القضايا، وتجنب توظيفها بما يناقض الإسلام، وتوعية الرأي العام للتثبت قبل اتخاذ أي موقف استجابة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:83]. انتهى.

    ثانيًا: يرى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث جواز الأخذ بتقنيات الاستنساخ في مجالات العلاج الطبي، باستخدام الخلايا الأرومية (الخلايا الجذعية Stem Cells Cellule Souches) لتكوين أعضاء سليمة يمكن أن تحل محل الأعضاء المعيبة على ألا يؤدي ذلك إلى إتلاف جنين بلغ أربعين يومًا.

    ثالثًا: توضيحًا للفقرة الرابعة من قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي السابق بشأن جواز الاستنساخ في مجال الحيوان، انتهى المجلس إلى أن من أهم الضوابط الشرعية لذلك ما يأتي:

    أ) أن تكون هناك مصلحة معتبرة شرعًا.

    ب) أن لا تعارض هذه المصلحةَ مفسدةٌ أعظم منها.

    جـ) أن لا يترتب على ذلك تعذيب للحيوان، أو تغيير لخلقه.

    رابعًا: يثمن المجلس توجه ممثلي الأديان الأخرى وبعض الدول في منع الاستنساخ البشري بما يمهد لاعتباره جريمة متفقًا عليها بين أهل الأديان المختلفة مما يؤدي إلى الاتفاق على تحريمها في القوانين الدولية.

    التوصيات: يوصي المجلس بما يلي:

    1- انطلاقًا من الفقرة الثالثة من قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، التي نصت على: تحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة الزوجية. يوصي المجلس بإعداد دراسات علمية وشرعية معمقة في حال الاستنساخ الذي يمكن أن يجري بين الزوجين دون تدخل طرف ثالث.

    2- إعداد دراسات فقهية وقانونية بشأن الآثار المترتبة على الاستنساخ البشري (الحكم الوضعي) بصرف النظر عن حكمه التكليفي ولا سيما في مجالات النسب والنكاح والإرث ونحوها.

    3- التعاون مع الجهات المعنية بالضوابط الأخلاقية لإخضاع الممارسات العلمية والطبية لهذه الضوابط.

    4- دعوة المؤسسات الدولية ذات الصلة بالموضوع إلى إصدار قرارات دولية بمنع وتجريم الاستنساخ البشري باعتباره عبثًا بفطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها.

    من قرارات الدورة العاشرة/دبلن - أيرلندا/19-26 ذي القعدة 1423هـ، الموافق لـ 22-26 يناير 2003م.

     

    [1] أعلن في شهر ديسمبر 2002م أن طائفة الرائيليين استطاعت أن تولد طفلة بالاستنساخ البشري وأسموها (حواء)، وكذلك طفلة من امرأتين سحاقيتين هولنديتين؛ ولم يقدّم الدليل العلمي على صحة هذا الإعلان.

    المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

    رقم الفتوى: 37 (1/10) تاريخ النشر في الموقع : 04/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة