• مراعاة أن التشريع الإسلامي دائما صالح لمصالح العباد والبلاد وجودا وعدما

    ما مدى ارتباط التشريع الإسلامي مع مصالح العباد؟

    فقد راعى الإسلام أن تساير أحكامه مصالح الناس جميعا في كل زمان وفي كل مكان باعتبار تشريعه خاتم الشرائع السماوية ولو نظرنا بفهم وعمق في أحكام التشريع الإسلامي لتبين لنا وجه هذه المصلحة حتى في الأمور التي تعبدنا الله بها وهي ما نعتبرها عبادات خالصة له تعالى: فإذا ما تأملنا مثلا الحكمة الشرعية من مشروعية الصلاة وتكليف العباد بها فسوف نجدها في نص التكليف بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، وإذا تأملنا الحكمة في مشروعية الصيام فسوف نجدها في التقوى وتربية الضمير والإخلاص الذي أشارت إليه آية التكليف به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[١٨٣]﴾ [البقرة: 183]، وإذا تأملنا الحكمة من مشروعية الزكاة فسوف نجدها في زيادة المال وتطهره وتحصينه ضد الاعتداء عليه من جميع الوجوه غير المشروعة وذلك مشار إليه في النص التشريعي للزكاة بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، وإذا تأملنا الحكمة من مشروعية الحج فسوف نجدها تبادل المنافع بين الناس جميعا في كل أنحاء العالم في جميع المجالات الإنسانية التجارية والسياسية والاجتماعية والمالية والثقافية والعلمية وذلك مشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ[٢٧] لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 27 - 28].

    وهذا في العبادات وهي حق الله الخالص فما بالك بشأن أمور المعاملات أو التصرفات الاجتماعية التي تخص البشر ولا ينال الله من أعمالنا فيها شيئا إلا طاعته في فعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لأنه سبحانه وتعالى منزه عن جميع الصفات البشرية والنقائص التي عليها البشر ولا شك عند كل ذي عقل ولب سليم أن تشريعات الله كلها والحكمة منها واضحة وضوح الشمس في وسط النهار وهي أولا وأخيرا مراعى فيها مصلحة الإنسان بصفته الإنسانية وبذاته الفردية أو الكلية والاجتماعية المحلية والعالمية فالتشريعات الإسلامية دائما مع العباد في كل أمور الحياة توازن بين النفع والضرر فما كان فيه ضرر تمنعه الشريعة وتنهى عنه وتحرمه وما كان فيه مصلحة للإنسان تجيزه ولا تمنعه، ولذلك فإن التشريع الإسلامي يربط الحكم التشريعي بالمصلحة وجودا وعدمًا.

    فحيثما وجدت المصلحة وجد الحكم الشرعي بالإباحة أو المنع وإن كان ذلك قد يخفى علينا في بعض التشريعات كما في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وما في دائرة ذلك، حيث يترتب على هذا المنع مصلحة شرعية وهي إبقاء حبل المودة موصولا بين الأرحام وهي أولا وأخيرا تعود على العباد، ومن هنا غلب جانب المصلحة للعباد الذي هو ثابت دائما ولا غنى عنه للبشر في كل زمان وفي كل مكان، فكان هذا الحكم التشريعي بحرمة الزواج مع الجمع بين النساء على الصورة المشار إليها بالنسبة للمرأة وعمتها وما في حكمها حالات خاصة مع بقية المحرمات من النساء وما عداه فهو حل بشروطه الشرعية.

    ولكون الحكم الشرعي مع أفعال العباد يدور مع المصلحة وجودا وعدما، فإن الحكم قد يتغير تبعا لذلك.

    ومثال ذلك: المؤلفة قلوبهم في الصدقات الواجبة وهي الزكاة، وهم الذين فرض لهم سهم في الزكاة المفروضة على المسلمين بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60] الآية... فقد اقتضت المصلحة الشرعية إيقاف هذا السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم، ومنعه عنهم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في زمن خلافته بعد أن تبين له أن علة الإعطاء الخاصة بهذا السهم قد زالت، وأن المصلحة للمسلمين في منع هذا السهم عن المؤلفة قلوبهم وإعطائه لمصارفه الشرعية من المسلمين، وذلك لزوال علة الحكم بالإعطاء والواردة في الآية، وقد أجمع الصحابة على صحة حكم عمر بعد استشارتهم وموافقته في الحكم؛ ولهذا فقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هذا السهم، ولم يعطه لغير المسلمين المؤلفة قلوبهم اجتهادا منه في أن المصلحة في إعطائه قد زالت بعد أن قويت شوكة المسلمين وحماية أنفسهم بأنفسهم، وأصبحوا في غير حاجة إلى حماية من كانوا يأخذون سهم المؤلفة قلوبهم بهذا السبب.

    ولا يعد هذا الفعل من سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- نسخا للحكم الشرعي؛ لأنه لا نسخ للأحكام الشرعية بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    وبناء على ذلك فإن الأمر لو تغير تبعه حكم يلائمه شرعا في أي عصر لاحق لعصر الخليفة عمر رضي الله عنه.

    والنسخ وإن كان قد انتهى بانتهاء الوحي فإن الشارع علل الأحكام الشرعية للعباد بعلل ظاهرة أو خفية؛ ليرشدنا سبحانه وتعالى إلى أن الحكم يتبع علته ويتغير بتغييرها في الكثير الغالب، وبخاصة في المسائل العقود والمعاملات التي كثيرا ما تتأثر باختلاف المكان وتغير الحال والزمان، فإذا تضاربت المصالح لوحظ تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة؛ ومن أجل هذا لم تتناول النصوص الشرعية في الإسلام أحكام المعاملات التي تقع بين الناس بالتفصيل، وإنما دلت عليها بوجه عام حتى يكون ولاة الأمور في سعة من أخذ الأحكام منها في دائرة ما يحقق الصالح العام للإسلام والمسلمين والمجتمع الذي يعيشون فيه، بما لا يتعارض مع نص قطعي الثبوت والدلالة من كتاب أو سنة[1].


    [1] راجع للباحث المدخل الوسيط ص 161 وما بعدها، والقواعد الفقهية ص 118 وما بعدها، ص 126 وما ‏بعدها، ص 191 وما بعدها، وأصول الفقه للخضري ص 334. ‏

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 5040 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: نصر فريد واصل
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة