• حكم إنكار المعلوم من الدين بالضرورة

    اطلعنا على صورة كتاب السيد/... مدير التحرير التنفيذي وما أرفق به من الآراء والأفكار في الحوار الذي أجراه السيد/... الذي يطلب فيه رأي الدين في الأفكار المطروحة في الحوار بشكل عام.
     

    نفيد بالآتي:

    أولا: نحن نؤمن بحرية الفكر ونقدر الحوار والمناقشات، فلا قيد على حرية التفكير، ولا حجر على اختيار الآراء والأفكار والعقائد، اللهم إلا إذا كانت خارجة عن الشرعية الدينية أو القانونية، وهذه هي ديمقراطية الإسلام التي عبر عنها القرآن الكريم في قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].

    ثانيا: لا إكراه ولا إجبار لحمل أحد على اعتناق عقيدة أو فكر أو رأي معين؛ لأن الإكراه والإجبار مرفوض في الشريعة الإسلامية عملا بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256].

    وقوله تعالى مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[٩٩]﴾ [يونس: 99]. وهذه هي الحرية الإسلامية التي تكفل الرأي والرأي الآخر.

    ثالثا: من المقرر شرعا أن من أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة وكان عالما وعامدا ومصرا على الإنكار ومجاهرا به كان خارجا عن دائرة الإسلام ومفارقا لجماعة المسلمين.

    رابعا: الحوار والمناقشة المرفقة بصورة الطلب والمطلوب إبداء الرأي الشرعي فيه إن صحت نسبته إلى قائله اعتبر إنكارا لمعلوم من الدين بالضرورة؛ وذلك لأن حق قوامة الرجل على المرأة نص عليه في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].

    فالتفضيل يكون من الله أولا لحكمة يعلمها هو ولم يفصح عنها وليس لأحد الاعتراض عليها، ولأن الطعن في القسمة الشرعية للمواريث التي تولى رب العزة تقسيمها ومحاولة تغييرها إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة أيضا؛ لقوله في آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. إلى آخر الآيتين [11] و[12] من سورة النساء، كما أن إنكار مشروعية حق الرجل في الزواج من أخرى مع وجود زوجته الأولى مخالفة صريحة لنص من نصوص القرآن الكريم وعصيان لأمر من أوامر الله تعالى الواردة في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].

    ورفض حق الرجل في إيقاع الطلاق على زوجته يعد رفضا لأحكام الشريعة الإسلامية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في قول الله تعالى في أكثر من موضع في القرآن الكريم (الذي منه): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1].

    وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[٢٣٧]﴾ [البقرة: 237].

    وهذه الآية تشير إلى أمر الله تعالى للرجال أن يعطوا النساء حقهن عندما يطلق الرجال النساء، كما أن حق الرجل في إرجاع زوجته بعد الطلاق الرجعي أمر إلهي ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228].

    فالخطاب في هذه النصوص مقصود به الرجال دون النساء، ولا شك أنها أوامر إلهية ومنهج رباني إسلامي ودستور سماوي وضعه الله لخلقه تنظيما لحياتهم وليس من صنع الرجال ولا من تأليفهم، ومن أراد تبديله أو تغييره فعليه أن يستمع إلى قول الله العلي القدير في كتابه الحكيم: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[١٨١]﴾ [البقرة: 181].

    ورفض أوامر الله ونواهيه خروج عن الشريعة الإسلامية والعياذ بالله، وبعد فإننا لسنا في حاجة إلى الرد على كل نقطة وردت بالحوار المشار إليه؛ لأنه استبان أن القصد والغرض من ورائه التطبيق العلمي لمقولة: "خالف تعرف" أو الطعن في الإسلام ومبادئه ومحاولة الفكاك من تعاليمه استغلالا لمناخ الحرية الإسلامية التي ضمنها الإسلام لأعدائه قبل أتباعه، على أننا لا ننزعج من مثل هذه الآراء أو الأفكار المناهضة لتعاليم الإسلام والرامية إلى التحرر من قيوده ونعدها ظاهرة صحية تدل على متانة الإسلام وعمق جذوره، وعدم انزعاجنا مبعثه الأسباب التالية:

    1- الآراء والأفكار الشاذة لم تأت بجديد، وإنما هي أفكار وآراء بالية تهب علينا رياحها من حين لآخر، وقد عفا عليها الزمن وقتلت بحثا وتنقيبا وانتهت كل البحوث حولها إلى أن الإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله شريعة للناس، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها رغم ثرثرة المثرثرين وفيهقة المتفيهقين، وصدق ربنا حين يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

    2- الإسلام قوي البنيان متين الأركان لا تنال منه المعاول الهشة الضعيفة، ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إن هذا الدين متين ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه فأوغل فيه برفق، إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى».

    3- الإسلام محفوظ بحفظ الله تعالى له ومكفول برعايته ومشمول بعنايته، فلا خوف عليه من الآراء والأفكار مهما بلغ شذوذها ونشازها وبح صوتها دون أن يكون لها صدى أو مجيب، وصدق الله العظيم حيث يقول:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[٩]﴾ [الحجر: 9].

    فعلى الذين ينطحون الصخر أن يريحوا أنفسهم ويستمعوا بقلوبهم إلى قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ[١٤]﴾ [النساء: 14].

    وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: 5].

    وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ[٢٠]﴾ [المجادلة: 20].

    ونوصي بعدم نشر مثل هذه الآراء والأفكار الهدامة حتى لا تحدث فتنة بين المسلمين وبلبلة في أفكارهم ومعتقداتهم، وأخيرا نسأل الله الهداية والتوفيق لكل الناس، إنه رب ذلك والقادر عليه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- لا إكراه ولا إجبار لحمل أحد على اعتناق عقيدة أو فكر أو رأي معين.

    2- من أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة وكان عالما وعامدا ومصرا على الإنكار ومجاهرا به كان خارجا عن دائرة الإسلام ومفارقا لجماعة المسلمين.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 130 لسنة 2001 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: نصر فريد واصل
    تواصل معنا

التعليقات