• اختلاف المذاهب في الأحكام، وشهادة أوربي للإسلام

    فقيركم هذا مشغول بالتجارة، وقبل عيد الأضحى خرجت في أوربا لأجل التجارة، فاجتمعت يومًا بأحد الأوربيين فقال: إن أكمل الأديان وأجملها دين الإسلام، لكن الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فقلت: ونحن الحمد لله على دينهم وعلى سبيلهم.

    فقال: نعم، ولكن منكم الحنفية ومنكم الشافعية وغير ذلك، فكل واحد من هؤلاء مخالف لصاحبه في الأعمال والأحكام الدينية، فعند الحنفية إذا جرى دم أحدهم ينقض وضوءه، وعند الشافعية: لا. وإذا مس امرأة أحد الشافعية ينقض وضوءه، وعند الحنفية: لا. فهل كان النبي يفعل كما يفعل الحنفية أم كما يفعل الشافعية؟ فبقيت لا أقدر على رد جوابه فإن أحسنتم بالجواب، فلكم من الله الثواب[1].

    إنه لا خلاف بين أئمة الأحكام في شيء من أصول الدين وأحكامه التي لا يتحقق الإسلام بدونها، وإنما اختلفوا في مسائل فرعية للاجتهاد والرأي، فيها مجال إذ لم يصح فيها شيء قطعي في الكتاب العزيز والسنة المتواترة المجمع عليها، ولذلك كان يعذر بعضهم بعضًا في اختلاف الرأي فيها، ويعد كلٌّ عبادة المخالف له صحيحةً، ويصلي وراءه كما بيناه غير مرة. ولذلك قلنا في مقالات المصلح والمقلد[2]، إن الطريق إلى الوحدة الإسلامية هي أن يُجعل ما أجمعت عليه جميع المذاهب هو الأصل الذي يؤاخي به بعضنا بعضًا، ونقلنا عن كتاب القسطاس المستقيم[3] لحجة الإسلام الغزالي أن رأيه ترك المسائل الخلافية والعمل بما اتفقوا عليه. وإنك لتجد المتعصبين لمسائل الخلاف، لا يعملون بجميع مسائل الاجتماع والاتفاق.

    ولو عملوا بها لأدّوا جميع الفرائض وتأدبوا بأكمل الآداب، وتركوا جميع الرذائل والمحرمات الضارة بأفرادهم وأمتهم، ولكنهم قد أهملوا وتهاونوا في كل شيء إلا في تعصب كل فريق على الآخر فيما تفرقوا فيه، وإذا دَعَوتَهُم إلى الوفاق الذي دعا إليه الغزالي في آخر عمره قالوا: يا للغيرة! إنه يريد هدم المذاهب وإفساد الدين.

    أما طريقة الوفاق بين مَن يحبون البحث في هذه الفروع الخلافية ولا يرضون بالبراءة الأصلية التي قال بها الغزالي، فالتوفيق بينهم لا يكون إلا بالرجوع إلى السنة الآحادية والروايات القولية، ولم يثبت حديث يحتج به على وجوب الوضوء من خروج الدم، بل ورد خلافه على أن الوضوء منه احتياطًا لا يضر، بل الأولى أن يتوضأ الإنسان لكل صلاة إذا لم يجد مشقة في ذلك.

    وأما مسألة لمس المرأة ففيها آية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43]، والأرجح أن الملامسة فيها كناية عن الوقاع، وأما الروايات فهي متعارضة، ولكن ما ورد في عدم النقض هو الذي يصح، كحديث وضع عائشة يدها على بطن قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، رواه مسلم والترمذي. وحديث مسها برجله هو عندما اعترضت أمامه وهو يصلي، رواه النسائي وصححه الحافظ بن حجر. والاحتياط لا يخفى، لا سيما إذا كان اللمس بشهوة، والله أعلم.

    [1] المنار ج8 (1905) ص21-22.
    [2] المنار ج7 (1904) ص129: وص222: وص409: وص449: وص491.
    [3] أبو حامد الغزالي، القسطاس المستقيم، القاهرة، 1318هـ.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 136 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة