• حكم تزويج الوكيل المرأة دون إذن الولي

    يقول السائل: بأنه تزوج من أرملة لها ثلاث بنات أطفال قام بتربيتهم ورعايتهم وتعليمهم حتى انتهوا من دراستهم الجامعية، وأنجب منها طفلا سنة 1989، علما بأن لهؤلاء الأولاد أعماما بالإسكندرية، ولم يسأل أحد من الأعمام عنهم منذ تاريخ وفاة والدهم، ولقد تقابلنا مع خال زوجتي أثناء زيارتنا للمدينة المنورة لأداء العمرة، وطلب الخال الزواج لابنه من نجلة زوجته الصغرى، وقد قبلت هذه البنت زواجها منه لحسن خلقه وحفظه للقرآن الكريم؛ ولأنه خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد طلب والد الولد بأن يكون عمهم وكيلا في الزواج، ولكن السائل أفهمه بأنه هو الذي قام بتربية الأولاد وكفالتهم، ووافقت هذه البنت بأن يكون زوج والدتها هو الوكيل عنها في الزواج، وعدم الرغبة في وكالة عمهم.

    علما بأنهم ليس لهم حقوق في المجلس الحسبي.

    ويطلب السائل بيان الحكم الشرعي في ذلك.

    إن فقهاء المسلمين اتفقوا على أن المرأة البالغة العاقلة الرشيدة لها أن تباشر جميع الحقوق بنفسها أصيلة أو وكيلة عن غيرها فيما عدا عقد الزواج، وقد اختلف الفقهاء في مباشرتها عقد الزواج لنفسها أو لغيرها: فذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد إلى عدم صحة عقد الزواج الذي تتولاه المرأة بنفسها أصيلة أو وكيلة عن غيرها، وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾[النور: 32].

    وذهب الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف إلى انعقاد الزواج صحيحا بعبارة النساء أصيلة أو وكيلة عن غيرها، فمن المقرر شرعًا في فقه المذهب الحنفي أن البالغة العاقلة لو تولت عقد زواجها انعقد الزواج ونفذ ولزم إن كان الزوج الذي عقدت لنفسها عليه كفئا لها؛ لأن الولاية قد تكون ولاية ندب واستحباب، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾[البقرة: 230]، فقد أسند إليها العقد، فصح أن تتولاه بنفسها، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾[البقرة: 232]، فأسند النكاح إليهن، وعد المنع من تولي العقد ظلما وعضلا، فصح لهن أن يتولين صيغة العقد.

    ويرى جمهور الفقهاء أن الكفاءة حق للمرأة والأولياء، فلا يجوز للولي أن يزوج المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء؛ لأن تزويجها بغير الكفء فيه إلحاق عار بهم، فلم يصح من غير رضاهم، ولأن الولاية هي ركن من أركان عقد الزواج عند جمهور الفقهاء، وتخلف هذا الركن يبطل العقد، وهذا ما نراه ملائما لهذا الزمن منعا للتحايل، والولاية تكون للأب ثم الجد ثم من يليهما من العصبات كالترتيب في الميراث كالأبوة والبنوة والأخوة والعمومة، أما الوكالة في عقد الزواج فإن من ملك تصرفا ملك التوكيل فيه إن كان في ذاته يقبل الإنابة، وعقد الزواج يقبل الإنابة، فيجوز التوكيل فيه، فيملك صاحب الشأن أولوية أن يوكل فيه، ويصح من الرجل والمرأة على سواء عند أبي حنيفة؛ لأنه يجيز لها أن تنشئ العقد بنفسها، ومن يتولاها يكون وكيلا عنها إذا كانت عاقلة بالغة بشرط أن يكون الزوج كفئا لها والمهر مهر مثلها، أما عند جمهور الفقهاء فوليها يتولى عقد زواجها من غير توكيل؛ لأنه هو الذي يملك إنشاء العقد، وإنما الحاجة تكون إلى رضاها، والتوكيل يجوز مطلقا ومقيدا، فإذا وكلت البالغة العاقلة رجلًا وكان لها عاصبا فإن الوكيل مقيد بالكفاءة ومهر المثل؛ لأن تزويجها نفسها من غير كفء غير صحيح على القول الراجح، وعلى ذلك عند أبي حنيفة يجوز للوكيل أن يزوجها إذا كان الزوج كفئا والمهر مهر المثل؛ لأن تزويجها نفسها من غير كفء غير صحيح على القول الراجح، أما رأي جمهور الفقهاء مالك والشافعي وأحمد فقد ذهبوا إلى عدم صحة عقد الزواج الذي تتولاه المرأة بنفسها أصيلة أو وكيلة عن غيرها، وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾[النور: 32].

    وبناء على رأي جمهور الفقهاء أنه لا يجوز للوكيل أن يزوج هذه الفتاة بدون إذن وليها وهو عمها العاصب الموجود على قيد الحياة؛ لأنها لا تملك أن تزوج نفسها بدون إذن وليها، ولا تملك توكيل غيرها في زواجها على هذا الرأي؛ لأنها لا تملك التصرف وهو الزواج، ولأنها ليست من أهل الولاية لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا زوجها الوكيل بدون إذن من الولي العاصب، ولم يكن الزوج كفئا، وبمهر أقل من مهر المثل فللولي حق الاعتراض على هذا العقد أو فسخه أمام الجهات المختصة، ودار الإفتاء تختار رأي جمهور الفقهاء.

    ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال إذا كان الحال كما ورد به.

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- ذهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد إلى عدم صحة عقد الزواج الذي تتولاه المرأة بنفسها أصيلة أو وكيلة عن غيرها.

    2- المقرر شرعًا في فقه المذهب الحنفي أن البالغة العاقلة لو تولت عقد زواجها انعقد الزواج ونفذ ولزم إن كان الزوج الذي عقدت لنفسها عليه كفئا لها.

    3- يرى جمهور الفقهاء أن الكفاءة حق للمرأة والأولياء، فلا يجوز للولي أن يزوج المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 1357 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: نصر فريد واصل
    تواصل معنا

التعليقات