• حكم اختلاء المسجون بزوجته والمسجونة بزوجها

    هل من حق المسجون الاختلاء بزوجته شرعا؟ وهل من حق المسجونة الاختلاء بزوجها كذلك؟

    أولًا: الإسلام دين الوسطية يراعي إشباع الحاجيات المادية والنفسية للإنسان معا؛ ليكون هناك توازن في المجتمع؛ لأن الإنسان روح ومادة، ولكل منهما متطلباته التي إن أهملت فسد حال الإنسان في المجتمع، وأصبح غير قادر على الاندماج والتعامل مع أفراده بصورة صحيحة، ومن هنا تحدث الجريمة في أي صورة من صورها، ولذلك وضع الإسلام الأسس والمبادئ العقائدية والتشريعية والأخلاقية والتعبدية التي إن رعاها الشخص وقام بها على الوجه المطلوب شرعًا صار عضوا نافعا مفيدا للمجتمع، وإن أهملها فإنه يكون عرضة لارتكاب الجريمة، فإن ارتكبها عوقب عليها العقاب الرادع الزاجر المناسب له ولأمثاله حفاظا على استقرار وأمن المجتمع والترابط بين جميع أفراده.

    ثانيًا:من المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية شخصية العقوبة، فلا يسأل عن الجرم إلا فاعله، ولا يؤاخذ شخص بجريرة غيره مهما كانت درجة القرابة أو الصداقة بينهما، وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ العادل في كثير من آياته، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[فاطر: 18]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٤٦]﴾[فصلت: 46]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[النساء: 123]. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[٣٨] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى[٣٩]﴾[النجم: 38 - 39]. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[٣٨]﴾[المدثر: 38].

    ثالثًا: إن الإسلام قدس العلاقة الزوجية، وأوجب لكل من الزوجين حقوقا وواجبات تجاه الآخر، ومن هذه الحقوق المتبادلة بين الزوجين حسن المعاشرة الزوجية بمعناها الخاص، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من حق الزوجة على زوجها المعاشرة الزوجية مرة في كل طهر أو شهر على الأقل ما لم يكن عذر شرعي يحول بينه وبينها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾[البقرة: 222]. وذهب الإمام الشافعي على خلاف قول الجمهور إلى أن ذلك حق له ولا يجب عليه كسائر الحقوق، وقدر الإمام أحمد بن حنبل زمن وجوب إتيان الزوجة بأربعة أشهر قياسا على الإيلاء؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٢٢٦] وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[٢٢٧]﴾[البقرة: 226 - 227].

    فإذا كان الزوج في سفر ولم يكن لديه عذر مانع من رجوعه إلى زوجته فإن الإمام أحمد ذهب إلى توقيت إتيان الرجل زوجته في هذه الحالة بستة أشهر. فقد سئل: كم يغيب الرجل عن زوجته؟ قال: ستة أشهر يكتب إليه، فإن أبى أن يرجع إليها وعجزت هي عن الذهاب إليه مع محرم فرق الحاكم بينهما. وحجته في ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه سأل ابنته أم المؤمنين حفصة -رضي الله عنهما-: كم تصبر المرأة على زوجها؟ فقالت: خمسة أشهر أو ستة أشهر. فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر يسيرون شهرا ويقيمون أربعة أشهر ويسيرون راجعين شهرا. وفي جميع الأحوال فإنه على الزوج شرعًا أن يحصن ويعف زوجته حسب حاجتها في التحصين، وفي ذلك يقول الغزالي من الشافعية: "وينبغي أن يأتيها الزوج في كل أربع ليال مرة فهو أعدل؛ لأن عدد النساء أربعة فجاز التأخير إلى هذا الحد وعليه أن يزيد أو ينقص حسب حاجتها في التحصين فإن تحصينها واجب عليه"[1]. ولأهمية هذا الحق جعله الرسول صلى الله عليه وسلم من الصدقات التي يثيب الله عليها فقال: «ولك في بضع زوجتك أجر».

    وفي واقعة السؤال وبناء على ما سبق فإنه يجوز شرعًا اختلاء الزوج المسجون بزوجته وكذلك الزوجة المسجونة بزوجها لممارسة الحقوق الشرعية الخاصة بالزوجين؛ وذلك لأن العقوبة في الإسلام شخصية لا تتعدى الجاني إلى غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[فاطر: 18].

    وعلى ذلك فيجب مراعاة أن لا تختلف القوانين الوضعية في أي بلد إسلامي مع الشريعة الإسلامية في هذا الشأن وفي حرمان الزوجة من حقوقها الشرعية المقررة تجاه زوجها، وإغفال ذلك يجعل العقوبة جماعية تتعدى شخص الجاني إلى غيره، وهذا غير جائز شرعًا، ثم إن الزوجة من حقها ألا تحرم من حقوقها الزوجية الخاصة طالما أن العلاقة الزوجية بينها وبين زوجها مستمرة ولم تنقطع؛ وحتى لا يكون هذا الحرمان سبيلا للفساد والانحراف من الزوجات أو الأزواج بما يؤثر على المجتمع ويضره بصورة سلبية، وفي مراعاة حقوق المسجون الشرعية والاجتماعية والشخصية والنفسية والفسيولوجية إعادة لتأهيله وعودته فردا صالحا للتعايش مع أفراد المجتمع بعد قضاء فترة عقوبته؛ لأن الهدف من العقوبة هو الزجر والردع وليس إهدار آدمية الإنسان.

    فالسجن إصلاح وتهذيب في المقام الأول، ثم إن إهمال هذه الحقوق الزوجية الخاصة بين الزوجين قد تؤدي إلى انتشار الشذوذ والفساد الجنسي والإفساد داخل السجون وخارجها، وبذلك يخرج الشخص المسجون من سجنه بعد نهاية مدة العقوبة متأثرا بسلوكيات فاسدة تجعله غير قادر على معايشة أفراد المجتمع المحيط به مما يضر بالمجتمع ضررا كبيرا. ثم إن في السماح للمسجون بالاتصال بزوجته أو العكس يتحقق غرضان:

    أولهما: أن الشخص يتوب توبة نصوحا؛ لأنه مرتبط بأسرته.

    ثانيهما: أنه يحافظ على الأسرة من التفكك، ويحفظ الزوجة من الانحراف.

    وعلى ذلك فإنه إذا طلبت الزوجة أن تلتقي بزوجها لممارسة حقها الشرعي في المكان المناسب اللائق وبما يحفظ عليهما معا حياءهما وكرامتهما، فإن ذلك يكون حقا شرعيا واجبا لهما، ويجب على الجهات المعنية بهذا الأمر أن تقوم على تنظيمه عند القدرة عليه بما يحفظ على الزوجين حياءهما وكرامتهما فإن ذلك يكون حقا شرعيا واجبا لهما، لأن هذا الحق بالنسبة للزوجة أمر ضروري وليس ترفيهيا وبخاصة في هذا العصر الذي نعيشه الآن؛ ولأنه يجب شرعًا على الزوج أن يعف زوجته ويحصنها كما تجب عليه فروض الإسلام في جميع الأوقات الأخرى من صلاة وصيام وزكاة وحج وبقية العبادات.

    ولكل ذلك فإن دار الإفتاء المصرية حرصا منها على مصلحة وأمن المجتمع تلفت نظر جميع الجهات المسؤولة بسرعة بحث المشكلة ووضع الحلول اللازمة لها وفقا لما سبق ذكره؛ مراعاة لتواصل أداء الحقوق والواجبات الشرعية بين الأزواج في المجتمع وتحقيق أمن الفرد والجماعة والسلام الاجتماعي بين الجميع.

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- الإسلام دين الوسطية يراعي إشباع الحاجيات المادية والنفسية للإنسان.

    2- من المبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية شخصية العقوبة، فلا يسأل عن الجرم إلا فاعله.

    3- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من حق الزوجة على زوجها المعاشرة الزوجية مرة في كل طهر أو شهر على الأقل.

    4- يجوز شرعًا اختلاء الزوج المسجون بزوجته وكذلك الزوجة المسجونة بزوجها لممارسة الحقوق الشرعية الخاصة بالزوجين.
     

    [1] فقه السنة طبعة دار الفتح للإعلام العربي سنة 1999 ج2 ص121 وما بعدها.

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 418 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: نصر فريد واصل
    تواصل معنا

التعليقات