• ضبط اتجاه القبلة ومنع الانحراف عنها عند العلم به

    قبل بضع سنوات استأجرت الجماعة صالة لإقامة الصلاة والأنشطة التعليمية لخدمة الجالية في المدينة، وفورًا تم ضبط اتجاه القبلة بواسطة العديد من البوصلات، وأقيمت الصلوات على هذا الأساس لمدة أسبوع تقريبًا، وبما أن الاتجاه الذي أشارت إليه البوصلات غير متواز مع جدار المصلى (انظر الرسم التوضيحي) وأفتى إمام الجماعة آنذاك بجوار (أو أفضلية) تغيير الاتجاه بحيث تصبح الصفوف متوازية مع الجدار الطويل للصالة، وبالتالي يكون مقدار الانحراف عن الاتجاه المضبوط بحدود (30) درجة أو يزيد، مستدلين بما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]. قول المصطفى صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «بَيْنَ المَشْرِقْ والمَغْرِب قِبْلَةْ». ضرورة احتواء الصف الأول لأكبر عدد من المصلين. وفعلًا تم تغيير الاتجاه ورُسِمَت خطوط الصفوف على الأرض موازية للجدار، وما زالت على وضعها حتى هذا الحين، وكما اعترض أخ بضرورة الالتزام بالأصل اعترِضَ عليه بأن الفتوى في ذلك موجودة، وأن طرح هذه المسألة أمام المصلين الجدد الذين لا علم لهم بها إنما هو اختلاف للفتنة! ما حكم الشرع في وضعنا هذا؟ ماذا نفعل؟

    الرسم التوضيحي:

    1- الاتجاه الأصلي وفق البوصلة

    2- الاتجاه المعدل لمناسبة الجدار

     

     

     

     

     

     

    الاتجاه إلى القبلة -الكعبة البيت الحرام- في الصلاة: فريضة من فرائض الصلاة بإجماع المذاهب واتفاق الأمة. والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150]. وقد اهتم المسلمون من قديم بتحديد اتجاه القبلة، فوضعوا علامات وإشارات، وفي عصرنا اخترعوا (بوصلات) وساعات، يحملها الإنسان في يده، فتعين له القبلة في أي مكان في العالم. وإذا استطاع المسلم أن يحدد القبلة بدقة، فلا يجوز أن ينحرف عنها عمدًا بلا عذر، وخصوصًا في المساجد؛ لأن القبلة فيها تبقى على الدوام، فلهذا يحرص المسلمون على التحري والمبالغة في التدقيق؛ حتى لا يحدث خطأ يترتب عليه إضاعة القبلة على أهل المسجد إلى ما شاء الله. وقد رأينا المسلمين الذين يخصصون حجرات أو قاعات للصلاة في الدوائر الحكومية، أو في المطارات أو المدارس ونحوها مما لم يبن في الأصل مسجدًا، ولم تكن مستقيمة على القبلة: رأيناهم يرسمون خطوطًا أو يضعون خيوطًا، تحدد جهة القبلة تمامًا، وإن كانت غير موازية لجدار المكان، وهكذا رأينا الإخوة في أمريكا وأوروبا إذا اشتروا كنيسة يخططونها صفوفًا على القبلة. لهذا استغربنا من عمل الإخوة في هذا المسجد، حيث أقروا الانحراف عن القبلة بأكثر من 30 درجة بصفة دائمة، لا لشخص واحد ولا لصلاة طارئة. وما استدل به الإخوة مردود عليه، ولا يصمد للنقد فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]، هذه الآية نزلت بعد الهجرة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، اللذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، كما قال ابن كثير في تفسيرها. وقال آخرون: إنما أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى القبلة، ثم نسخها الأمر المتكرر بالتوجه شطر المسجد الحرام في نفس السورة. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية إذنًا من الله أن يصلي المتطوع المسافر على راحلته، حيث توجه من شرق أو غرب. وفي حال المسايفة (القتال المباشر) وشدة الخوف. وقال غيرهم: بل هذه الآية نزلت فيمن اشتبهت عليه القبلة، كالمسافر في حالة الغيم، ولم يجد دليلًا ولا علامة تهديه إليها، فصلى بالاجتهاد، كما فعل الصحابة في بعض الحالات، فهؤلاء يقال لهم: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115]. وحديث «مَاَ بَيْنَ المَشْرِقْ والمَغْرِب قِبْلَةْ» -إن صح[1]- معمول به حينما يكون الإنسان في الصحراء، أو في مكان لا تعرف فيه القبلة على وجه الدقة. والحديث مذكور لأهل المدينة ومن على سمتهم حيث القبلة في جهة الجنوب. وأهل اليمن على عكسهم: القبلة في جهة الشمال. على أن الحديث لم يجئ من طريق صحيح سالم من الكلام فيه، والذين صححوه إنما صححوه بكثرة طرقه، وإن كان كل طريق منها على حدة لا تقوم به حجة.

    وأما الاستدلال بضرورة احتواء الصف الأول لأكبر عدد من المصلين، فلم يقل بذلك أحد، وليس مطلوبًا أن يحتوي صف واحد أكبر عدد، ولعل المقصود أن تكون مساجد المسلمين عريضة لا طويلة، ولكن هذا عندما نبني مسجدًا، أما إذا حوَّلنا مكانًا ما إلى مسجد، فظروفه هي التي تحكمنا. ولا نعرف فقيهًا واحدًا أجاز الانحراف عن القبلة عمدًا وقصدًا مع معرفتها، لتحديد جهتها بدقة، وفي جميع الصلوات، وعلى وجه الدوام. قد يجوز هذا لبعض الأفراد في بعض الأحوال لبعض الأعذار، وخصوصًا إذا كان الانحراف قليلًا. أما أن يكون هذا في المسجد، وتقر فيه القبلة على الخطأ عمدًا، ومن غير عذر، فهذا لا يجوز بحال. ولطالما صلينا وراء أئمة معتبرين يقولون للمصلين خلفهم: القبلة لليمين قليلًا، أو إلى اليسار قليلًا، حرصًا على إقامة هذه الفريضة التي هي من شرائط صحة الصلاة. فعلى الإخوة في هذا المسجد أن ينتهوا عن هذا الخطأ، ويستغفروا الله، ولا يعودوا لمثله بعد هذا الجواب. ولو استمروا على الخطأ وتمادوا في ذلك فصلاتهم باطلة. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.

    من فتاوى الدورة الثالثة/كولون- ألمانيا/4-7 صفر 1420هـ، الموافق لـ19-22 مايو 1999م.

    [1] أخرجه ابن أبي شيبة (2/362) والترمذي (رقم: 342-344) وابن ماجه (رقم: 1011) والطبراني في «الأوسط» (رقم: 794، 3945، 9136) من حديث أبي هريرة، وصححه الترمذي. والدارقطني (1/270) والحاكم (1/205) والبيهقي (2/9) من حديث ابن عمر، وصححه الحاكم، لكن صوَّب الدارقطني في «العلل» (2/32-32) أنه موقوف.

    المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

    رقم الفتوى: 44 (1/3) تاريخ النشر في الموقع : 04/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة