• الجبر والقدر

    طالما يخطر في بالي ويتردد في فكري قول القائل: ما حيلة العبد والأقدار جارية ... عليه في كل حال أيها الرائي ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء ولا أجد منه مُخَلِّصًا أو أقف على مسلك. فلجأت لساحتكم مسترشدًا جعلكم الله ركنا ركينًا للمسلمين.
     

    هذا القائل يخاطب الرائي وهو لا يرى فإنه اكتفى بما في خياله عما تحت نظره إذ يرى العبد يحتال، وهو يسأل ما حيلته والأقدار هي التي جعلته يحتال ويعمل كما هو مشاهد. ومنه أن بعض الناس ألقوا أنفسهم في اليمّ، ومنهم مَن لم يلقها. ولو كانت الأقدار حكمت على كل إنسان بأن يلقى في اليم مكتوفًا، لكانوا كلهم سواء وما هم بسواء.

    وظاهر إنه يريد بالإلقاء في اليمّ الحال السيئة التي يقع الإنسان فيها، ولا يجد له مفرًّا منها، وليس كل الناس كذلك.

    والمسألة عقدتها كثرة الكلام والتخيلات فيها، وهي بديهية لمن فهم معنى الإنسان، وسنن الأكوان، ومن شدة الظهور الخفاء. فإن القدر والتقدير والمقدار الواردة في الكتاب والسنة معناها ظاهر، وهو أن كل شيء يجري في العالم فهو يجري بسنن ونواميس ومقادير معينة ثابتة. وهذا هو الذي يزيل الحيرة ويهدي الإنسان إلى كسب المنافع واجتناب المضارّ، ولو كانت الأشياء تجري بغير تقدير ولا حساب، لكان الإنسان الذي خلق عالمًا متفكرًا في حيرة دائمة؛ لأنه لا يعرف طريقًا لشيء من مصالحه. وهذا أسهل حل لمسألة القدر وأقربه وأخصره، ومن زاد عليه البحث في كيفية الخلق والتكوين فهو من المجانين[1].

    [1] المنار ج8 (1905) ص23-24.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 139 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة