• لقاح لشلل الأطفال يحتوي على مادة مستخرجة من الخنزير

    ورد من المكتب الإقليمي لشرق البحر المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية السؤال التالي: تعلمون أن منظمة الصحة العالمية تقود منذ قرابة عقد من الزمان حملة لاستئصال شلل الأطفال، بحيث لا يبقى له وجود على سطح الكرة الأرضية على الإطلاق بإذن الله وعونه، ولا يخفى ما يوفره ذلك على العالم كله من حالات عجز ووفاة، ويٌبعد هذا المريض الوبيل على البشرية إلى الأبد إن شاء الله. اللقاح المستعمل في تطعيم الأطفال ضد شلل الأطفال يُستحضر بفيروس المسبب له على مزرعة نسيجية أي مؤلفة من خلايا متكاثرة بحيث تشكل نسيجًا خلويًا تكون فيه الخلايا متلاصقة. وحتى ينجح الزرع، لا بد من فك هذه الخلايا بعضها على بعض. ويتم هذا التفكيك باستعمال خميرة (أنزيم) تدعى (التريبسين) تؤخذ من الخنزير. يضاف التريبسين بكميات زهيدة جدًا لا تكاد تذكر، لأن الإنزيمات تفعل فعلها بتركيزات بالغة الضآلة، يضاف هذا التريبسين إلى الخلايا المتلاصقة في نسيج، فيفكك بعضها عن بعض في برهة وجيزة، ثم تغسل الخلايا التي تفاصلت غسلًا جيدًا بحيث لا يبقى أي تأثير للتريبسين، ثم تزرع عليها فيروسات شلل الأطفال لتتكاثر، ثم تحصد هذه الفيروسات التي تكاثرت ويضاف إليها محلول مناسب لا شبهة فيه، ثم تصبح جاهزة لتحضير اللقاح الذي تعطى منه قطرتان أو ثلاثة لكل طفل بالفم. بعض الإخوة المسلمين في عدد من أنحاء العالم، ولا سيما في شرقي آسيا، أفتوا -من باب الورع(!)- بعدم جواز إعطاء هذا اللقاح لأطفال المسلمين؛ بالنظر إلى استعمال التريبسين الخنزيري المنشأ في استحضاره. وقد كان ردنا على الموضوع ما يلي - أن الله حرم أكل الخنزير، والتريبسين لا شأن له باللحم.

    - أن المقدار الزهيد للتريبسين المضاف -لو سلمنا بحرمته- أقل بكثير من أن يكون له أثر، بناء على قاعدة (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)... والخبث فيه.

    - أما ما أضيف من تريبسين فإنه يغسل غسلًا جيدًا فلا يبقى منه أي أثر، حتى لو سلمنا بحرمته لنجاسته.

    - أن الضرورات تبيح المحظورات حتى ولو لم تكف الحجج الثلاث السابقة.

    نرجو التفضل ببيان الحكم الشرعي في ضوء المعطيات الآنفة الذكر، علما بأن إحجام بعض المسلمين عن تطعيم أطفالهم بهذا اللقاح يعرض أطفال المسلمين وحدهم للخطر، ويعطي صورة سيئة عن تعطيل المسلمين لعملية تتغيّا استئصال المرض من على ظهر البسيطة إلى الأبد بإذن الله؛ لأن هذا الاستئصال لن يكتمل ما بقي على وجه الأرض طفل واحد يحمل فيروس المرض.
     

    نظر المجلس في الموضوع أعلاه، وبعد التدقيق في مقاصد الشريعة ومآلاتها والقواعد الفقهية وأقوال الفقهاء فيما عُفي عنه قرر ما يلي:

    أولًا: إن استعمال هذا الدواء السائل قد ثبتت فائدته طبيًا وأنه يؤدي إلى تحصين الأطفال ووقايتهم من الشلل بإذن الله تعالى، كما أنه لا يوجد له بديل آخر لحد الآن، وبناء على ذلك فاستعماله في المداومة والوقاية جائز لما يترتب على منع استعماله من أضرار كبيرة، فأبواب الفقه واسعة في العفو عن النجاسات -على القول بنجاسة هذا السائل- وخاصة أن هذه النجاسة مستهلكة في المكاثرة والغسل، كما أنه هذه الحالة تدخل في باب الضرورات أو الحاجيات التي تنزل منزلة الضرورة، وأن من المعلوم أن من أهم مقاصد الشريعة هو تحقيق المصالح والمنافع ودرء المفاسد والمضار.

    ثانيًا: يوصي المجلس أئمة المسلمين ومسؤولي مراكزهم أن لا يتشددوا في مثل هذه الأمور الاجتهادية التي تحقق مصالح معتبرة لأبناء المسلمين ما دامت لا تتعارض مع النصوص القطعية.

    من فتاوى الدورة الحادية عشرة/أستوكهولم- السويد/1-7 جمادي الأولى 1424هـ، الموافق لـ1-7 يوليو/تموز 2003م.

     

    المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

    رقم الفتوى: 68 (6/11) تاريخ النشر في الموقع : 04/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات