• حكم الذكر الجماعي

    سئل في: مشروعية الذكر الجماعي والمديح والابتهالات.
     

    الذكر الجماعي فهو مشروع ولا شبهة فيه، بل إن غالب الآيات القرآنية التي أمرت بالذكر جاء الأمر الإلهي فيها بصيغة الجمع كقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152].

    وكقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198].

    وكقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28].

    ولقوله عز وجل: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[٣٥]﴾ [الأحزاب: 35].

    وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا[٤١] وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[٤٢]﴾ [الأحزاب: 41 - 42].

    إلى غير ذلك من الآيات الكريمة في إشارة إلى مشروعية الاجتماع على ذكر الله تعالى ودعائه.

    وبذلك تواترت الأحاديث النبوية الشريفة؛ فعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الـملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده». رواه مسلم والترمذي وابن ماجه.

    وعن معاوية رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: الله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم المـلائكة». رواه مسلم والترمذي والنسائي.

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات». رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وهو يذكر أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما إنكم الملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معكم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[٢٨]﴾ [الكهف: 28]. أما إنه ما جلس عدتكم إلا جلس معهم عدتهم من الملائكة، إن سبحوا الله تعالى سبحوه، وإن حمدوا الله حمدوه، وإن كبروا الله كبروه، ثم يصعدون إلى الرب جل ثناؤه وهو أعلم بهم، فيقولون: يا ربنا عبادك سبحوك فسبحنا، وكبروك فكبرنا، وحمدوك فحمدنا، فيقول ربنا جل جلاله: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم فيقولون: فيهم فلان وفلان الخطاء، فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم». رواه الطبراني في الصغير.

    وعن يعلى بن شداد قال: قال حدثني أبي شداد بن أوس وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هل فيكم غريب؟ يعني أهل الكتاب. فقلنا: لا يا رسول الله. فأمر بغلق الباب وقال: ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده ثم قال: الحمد لله، اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد. ثم قال: أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم». رواه أحمد بإسناد حسن والحاكم والطبراني وغيرهم.

    إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة الدالة على مشروعية الاجتماع على الذكر، وعلى ذلك فإن القول بأن هذا اللون من الذكر بدعة هو في نفسه بدعة مذمومة؛ إذ من البدعة تضييق ما وسع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الأمر المطلق بذكر الله يتناول الذكر الجماعي، وإذا شرع الله سبحانه وتعالى أمرا على جهة الإطلاق وكان يحتمل في فعله وكيفية إيقاعه أكثر من وجه فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته، ولا يصح تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل، على أن الذكر في الجمع أرجى للقبول وأيقظ للقلب وأجمع للهمة وأدعى للتضرع والذلة بين يدي الله تعالى.

    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يد الله مع الجماعة». رواه الترمذي وحسنه، والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

    وكذلك الحال في المديح والابتهالات، فإن مدح الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أعظم القربات وهو من أعظم ما يثبت حب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في القلوب، وقد صحت الأحاديث بأنه لا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، وفي حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه أنه قال: «قلت: يا رسول الله مدحت الله تعالى بمدحة، ومدحتك بمدحة. قال: هات وابدأ بمدحة الله تعالى». رواه أحمد والنسائي والطبراني والحاكم وغيرهم.

    ولم يزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه الشعر ويمدح به فيثيب عليه، وقد سمع مدحه بأذنه من حسان بن ثابت، وعمه العباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وزهير، وغيرهم، ولم ينكر منه شيئا، وتغنى المتغنون بين يديه بمديحه فرادى كالثابت عن ابن رواحة وأنس في الحداء، والثابت عن عائشة رضي الله عنها في حكمها بأحقيته صلى الله عليه وآله وسلم بما جاء من المدح في بعض شعر الشاعرين... إلخ، كما تغنى المتغنون بين يديه بمديحه صلى الله عليه وآله وسلم جماعات كما حدث في استقبال الأنصار له، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وآله وسلم إنكار لهذا أو نسخ له، وكان يحب الصوت الحسن فقال لعبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في منامه: «قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم. ولما أراد مؤذنا له في مكة اختار أبا محذورة رضي الله عنه؛ لأنه حسن الصوت، وكان ينصب لحسان بن ثابت منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار. أخرجه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها.

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المـسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أجب عني اللهم أيده بروح القدس. قال: اللهم نعم». وبوب عليه الإمام النسائي باب الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد.

    وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله».

    قال الإمام النووي في شرح مسلم: (فيه جواز إنشاد الشعر في المسجد إذا كان مباحا، واستحبابه إذا كان في ممادح الإسلام وأهله أو في هجاء الكفار والتحريض على قتالهم أو تحقيرهم ونحو ذلك). اهـ.

    وعلى ذلك فمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والترخيص فيه سنة ثابتة منقولة بالتواتر، أخذها الخلف عن السلف من غير نكير، وذلك في إطار الحد الذي حدده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله في حديث عمر عند البخاري وغيره: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». أي في اتخاذهم إياه ولدا لله أو إلها معه، فالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق، فإذا ما عرف المسلم ذلك فليمدح بعد ذلك كما يشاء، وليعلم أن كل غلو في غيره فهو في حقه تقصير، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يحيط بصفاته وشمائله إلا الذي خلقه سبحانه وتعالى، ولا يبلغ المادحون في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم إلا على قدر ما يفهمونه من ذلك لا على قدره عليه الصلاة والسلام، كما قال الأول: أرى كل مدح في النـبي مقصرا ... وإن بالـغ المثني عليه فأكثـرا إذا الله أثـنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما تمدح الورى وكما قال الإمام البوصيري صاحب البردة الشريفة: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم وما زالت المدائح النبوية تحبب الناس في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبر العصور، وترغبهم في اتباع سنته والاقتداء بشمائله الشريفة وسجاياه الكريمة، وبها تتنور القلوب وتنشرح الصدور وتزكو النفوس، وهذه السنة من السنن المهجورة عند كثير من المسلمين.

    فنسأل الله أن يحييها في الأمة كما كان أسلافنا الصالحون رضي الله عنهم وأرضاهم.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.


    المبادئ:-
    1- الذكر الجماعي مشروع ولا شبهة فيه بل إن غالب الآيات القرآنية التي أمرت بالذكر جاء الأمر الإلهي فيها بصيغة الجمع.

    2- إذا شرع الله سبحانه وتعالى أمرا على جهة الإطلاق وكان يحتمل في فعله وكيفية إيقاعه أكثر من وجه فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته ولا يصح تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل.

    3- الذكر في الجمع أرجى للقبول وأيقظ للقلب وأجمع للهمة وأدعى للتضرع والذلة بين يدي الله تعالى.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 967-2 لسنة 2004 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة