• نذر الذبائح على أضرحة الأولياء والتوسل بهم

    ما قولكم في الذبائح على أضرحة الأولياء لسبب نذر، أو لرجاء دفع مضرة أو غيرها؟ وكذلك التوسل ببابهم والرجاء منهم نحو قول أهل فاس عند معاينة مكروه نازل بهم: ما دام ضريح مولاي إدريس في وسط بلدنا فلا نخاف لأنه يذود عن بلدة فاس خصوصًا، وعن قطره المغربي عمومًا، وهو ورجال المغرب (صالحو الموتى) يحفظوننا من غائلة العدو ونفوذه.وأقوالهم من هذا القبيل كثيرة.

    أفيدونا بما يشفي الغليل عن هذا القبيل ليعم إرشادكم كافة الموحدين الحنفيين، ودمتم كعبة للقصاد، مأجورين من رب العباد[1].

    الذبح على القبور بدعة أخذها بعض المسلمين عن أهل الكتاب وهؤلاء أخذوها عن الوثنيين إذ كانت الذبائح لأوثانهم وأصنامهم من أركان دينهم وأعظم عباداتهم، نعم كانت القرابين عبادة في شريعة موسى عليه السلام، وما هي إلا للتقرب إلى الله وحده لا إلى شيء، ولا إلى شخص عظيم كما هي عند الوثنيين في الأصل.وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز الذبح لغير الله تعالى تقربًا إليه أو تعظيمًا له، أو رجاءً فيه لأن هذا من الوثنية.

    وقد صرح الفقهاء بأن من فعل ذلك على سبيل العبادة يكون مرتدًا عن الإسلام، والعبادة هي الخضوع والتعظيم لمن تعتقد فيه السلطة الغيبية التي وراء الأسباب، فإن وجد هذا المعنى كان الذبح للولي أو عنده كفرًا، وإن لم يوجد كان معصية؛ لأنه يدخل في قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145] ويستحق صاحبه اللعن من رسول الله في حديث علي -كرم الله وجهه- عند أحمد ومسلم والنسائي: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ». وقال في الإقناع وشرحه ما نصه: «ويكره الذبح عند القبر والأكل منه» لخبر أنس: لا عقر في الإسلام.رواه أحمد بإسناد صحيح، قال في الفروع: رواه أحمد وأبو داود، وقال عبد الرزاق: وكانوا (أي في الجاهلية) يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.

    وقال أحمد في رواية المروذي: كانوا إذا مات الميت نحروا جزورًا فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك وفسره غير واحد بغير هذا «قال الشيخ» يحرم الذبح «والتضحية» عند القبر «ولو نذر ذلك ناذر لم يكن له أن يوفي به» كما يأتي في نذر المكروه والمحرم «فلو شرطه واقف لكان شرطًا فاسدًا» اهـ. نقول: وأنت ترى من الأدلة أن القول بالتحريم هو الراجح، وإن أُريد بالكراهية ما كان للتحريم. ومما ورد في النذر حديث عائشة عند أحمد والبخاري وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
     وحديث ثابت بن الضحاك عند أبي داود والطبراني «وقد صحح الحافظ ابن حجر إسناده»، قال: إن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ (بضم الموحدة، موضع) فَقَالَ: «كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِن أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ».
     وقد يتوهم بعض الجاهلين من العامة أن النهي عن الذبح لتعظيم معاهد الجاهلية لا يقتضي تحريم الذبح لتعظيم أولياء المسلمين. ونقول:

    (أولًا) إن الفقهاء أجمعوا على أنه لا يجوز الذبح لغير الله كالأنبياء والكعبة.

    و(ثانيًا) إن حكمة ذلك تطهير القلوب من التوجه إلى غير الله تعالى في مثل هذا العمل الذي يراد به الخير والبر لأن ذلك من الإشراك، ولا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه. ومما ورد في ذلك بخصوص النذر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالى» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه، وفي معناه روايات أخرى.

    و(ثالثًا) إن كثيرًا من أئمة السلف الفقهاء، صرحوا بأن ما يذبحه النصراني لكنيسة أو مكان أو رجل معظم عندهم يحل لنا، ولكن لم يقل أحد بأن ما يذبحه المسلم لمعظم عنده يؤكل، بل أجمعوا على تحريمه وإثم فاعله، وإن قام في نفسه معنى العبادة كطلب ما لا يطلب إلا من الله تعالى كان مرتدًا كما تقدم. وأما ما يسمونه التوسل فقد بسطنا القول فيه مرات كثيرة في كل مجلد من مجلدات المنار فليراجع ذلك السائل في مواضعه من المجلد السابع[2] وغيره، مسترشدًا في الفهرس بكلمة التوسل من حرف التاء، وبكلمة قبور من حرف القاف، ويجد في العدد السابق كلامًا عن اعتقاد أهل فاس بمولاي إدريس، وغرورهم في ذلك. ولكن هذه الاعتقادات المبنية على وعث البدع والتقاليد لا تثبت أمام سيول الحقائق، فهذا سلطان مراكش قد اضطرب وخاف سقوط ملكه فلم يكتف باللجأ إلى إدريس، بل أشرك معه ملكًا نصرانيًا يعتز به ويستعين به على فرنسا وهو عاهل ألمانيا، وقد أرسل إليه عند زيارته طنجة هدية تساوي مئتي ألف جنيه، ولو كان موقنًا بحماية قبر إدريس للمملكة لكان غنيًا عن ذلك. ولماذا لم يحمِ إدريس البلاد من الفتن التي أنهكتها وكانت حجة فرنسا في التصدي لها؟
    [1] المنار ج8 (1905) ص191-193.
    [2] المنار ج6 (1903) ص908: وج7 (1904) ص43: وص50: وص319: وص404: وص504.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 146 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة