• حد الانحراف عن القبلة الذي تبطل الصلاة بالزيادة عليه

    ما هو حد الانحراف عن القبلة الذي تصير به الزيادة عنه مبطلة للصلاة؟

    استقبال القبلة حال الصلاة واجب مأمور به في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].

    والمقصود من استقبال القبلة: التوجه إلى عين الكعبة لمن كان في المسجد الحرام، والتوجه إلى المسجد الحرام لمن كان في مكة، والتوجه إلى مكة لمن كان خارجها، كما روى البيهقي في السنن الكبرى (2/ 9 ط. مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند) عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعا: «البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي».

    قال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "شرح العمدة" ([1]/537)، ط. دار العاصمة): "والمسجد الحرام: اسم للحرم كله، وشطره: نحوه واتجاهه؛ فعلم أن الواجب تولية الوجه إلى نحو الحرم، والنحو: هو الجهة بعينها، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148]، والوجهة: الجهة؛ فعلم أن الواجب تولي جهة المسجد الحرام" اهـ.

    وقال العلامة الشهاب الخفاجي في حاشيته على تفسير البيضاوي (2/ 253 ط. بولاق): "لا خلاف في أن حاضر الكعبة إنما يتوجه إلى عينها، وإنما الخلاف في البعيد: هل يلزمه التوجه إلى عينها، أو يكفي التوجه إلى جهتها، وهو المختار للفتوى، وأدلة كل من الفريقين مبسوطة في الفروع، والمصنف رحمه الله اختار الثاني واستدل عليه بذكر المسجد دون الكعبة، وكذا الشطر" اهـ.

    والذي عليه العمل والفتوى: أن من بعد عن الكعبة فإنه يكفيه التوجه إلى جهتها: لما رواه ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، وقد صححه الترمذي، وقواه الإمام البخاري.

    ورواه أيضا الدارقطني في "السنن" والحاكم في "المستدرك" والبيهقي في "السنن الكبرى" من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعا، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.

    ولما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، وبوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق وليس في المشرق ولا في المغرب قبلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا»".

    قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (2/ 289، ط. دار ابن الجوزي): "مقصوده بهذا الباب: أن أهل المدينة ومن كان قريبا من مسامتهم كأهل الشام والعراق، فإن قبلتهم ما بين المشرق والمغرب من جهة الكعبة، وأن المشرق والمغرب ليس قبلة لهم، وما بينهما فهو لهم قبلة" اهـ.

    وهذا هو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم قولا وعملا: فأخرج الإمام مالك في "الموطأ"، وابن أبي شيبة في "المصنف"، والبيهقي في "السنن الكبرى" عن عمر -رضي الله عنه- قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجهت قبل البيت".

    وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل الشمال".

    وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" عن علي وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".

    وأخرج الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (17/ 59، ط. دار القرطبة) من طريق أبي بكر الأثرم عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: "كيف يخطئ الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة، ما لم يتحر الشرق عمدا".

    قال الحافظ ابن رجب في "فتح الباري" (2/ 291): "ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك". اهـ.

    وقال أيضا (2/ 294): "ويدل على ذلك: أن الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا الأمصار وضعوا قبل كثير منها على الجهة؛ بحيث لا يطابق ذلك سمت العين على الوجه الذي يعرفه أهل الحساب، وصلوا إليها، وأجمع المسلمون بعدهم على الصلاة إليها، وهذا يدل على أن تحرير حساب مسامة العين ليس هو الأفضل، فضلا عن أن يكون واجبا؛ ولهذا لما خالف في ذلك كثير من الفقهاء المتأخرين، واستحبوا مراعاة العين أو أوجبوه، واستدلوا على ذلك بالنجوم ونحوها رأوا أن كثيرا من قبل البلدان منحرفة عن القبلة، فأوجب لهم ذلك الحيرة والشك في حال سلف الأمة من الصحابة ومن بعدهم" اهـ.

    ولذلك أنكر العلماء على من أمر بهدم القبلة التي لم يراع فيها استقبال عين الكعبة، قال الحافظ ابن رجب في "فتح الباري" (2/ 294): "وقد أوجب بعضهم مراعاة ذلك -أي مراعاة عين القبلة- وأمر بهدم كل قبلة موضوعة على خلافه، كما ذكره حرب الكرماني، وهذا يفضي إلى تضليل سلف الأمة، والطعن في صلاتهم" اهـ.

    وإنما كان ما بين المشرق والمغرب هو القبلة في حق أهل المدينة لأنهم شمال مكة وحقهم أن يتوجهوا جنوبا والانحراف الكثير عنها أن يشرقوا أو يغربوا، والجهات أربع؛ تمثل كل جهة ربع الدائرة الكاملة وهي 90 درجة، وهذا يعني أن جهة القبلة هي ربع الدائرة، وما دام المصلي في حدوده فإنه مستقبل للقبلة، وعلى ذلك فيصير الانحراف المسموح به عن سمت الكعبة هو 45 درجة يمينا ومثلها شمالا.

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- أنكر العلماء على من أمر بهدم القبلة التي لم يراع فيها استقبال عين الكعبة.

    2- الذي عليه العمل والفتوى: أن من بعد عن الكعبة فإنه يكفيه التوجه إلى جهتها لا إلى عينها.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 374 لسنة 2010 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة