• حكم تحويل زاوية تحت منزل إلى سكن خاص

    هل يجوز لي وقد بنيت زاوية للصلاة تحت منزلي أن أغيرها إلى سكن خاص بي؛ حيث إنني في غاية الاحتياج إلى ذلك؛ نظرا لظروفي وظروف من أعول؟

    نعم، يجوز، وهذا هو مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا، وهو ما تدل عليه النصوص الشرعية والفقهية، بل ونقل الاتفاق عليه؛ فإن هناك فارقا بين المسجد الموقوف لله تعالى وبين الزاوية والمصلى، مع جواز الصلاة واشتراط طهارة المكان في كل؛ فالمسجد له أحكامه الخاصة به من عدم جواز تحويله عن المسجدية إلى أي غرض آخر، وحرمة البيع فيه، وعدم دخول الحائض، ومشروعية تحية المسجد، وغير ذلك من الأحكام، بخلاف الزوايا والمصليات؛ فإنها لا تأخذ أحكام المساجد حتى لو أوقفت للصلاة فيها.

    وهذه بعض نصوص أهل المذاهب الفقهية في ذلك: يقول ابن حزم الظاهري في "المحلى" 4/ 248: مسألة: ولا يحل بناء مسجد عليه بيت متملك ليس من المسجد، ولا بناء مسجد تحته بيت متملك ليس منه، فمن فعل ذلك فليس شيء من ذلك مسجدا وهو باق على ملك بانيه كما كان.

    برهان ذلك: أن الهواء لا يتملك؛ لأنه لا يضبط ولا يستقر، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]؛ فلا يكون مسجدا إلا خارجا عن ملك كل أحد دون الله تعالى لا شريك له، فإذ ذلك كذلك فكل بيت متملك لإنسان فله أن يعليه ما شاء، ولا يقدر على إخراج الهواء الذي عليه من ملكه وحكمه الواجب له لا إلى إنسان ولا غيره.

    وكذلك إذا بنى على الأرض مسجدا وشرط الهواء له يعمل فيه ما شاء، فلم يخرجه عن ملكه إلا بشرط فاسد، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل».

    وأيضا: فإذا عمل مسجدا على الأرض وأبقى الهواء لنفسه، فإن كان السقف له فهذا مسجد لا سقف له، ولا يكون بناء بلا سقف أصلا، وإن كان السقف للمسجد فلا يحل له التصرف عليه بالبناء، وإن كان المسجد في العلو والسقف للمسجد فهذا مسجد لا أرض له، وهذا باطل، فإن كان للمسجد فلا حق له فيه، فإنما أبقى لنفسه بيتا بلا سقف، وهذا محال.

    وأيضا فإن كان المسجد سفلا فلا يحل له أن يبني على رؤوس حيطانه شيئا، واشتراط ذلك باطل؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله، وإن كان المسجد علوا فله هدم حيطانه متى شاء، وفي ذلك هدم المسجد وانكفاؤه، ولا يحل منعه من ذلك؛ لأنه منع له من التصرف في ماله، وهذا لا يحل" اهـ.

    وقال ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق": "قوله: ومن جعل مسجدا تحته سرداب أو فوقه بيت وجعل بابه إلى الطريق وعزله أو اتخذ وسط داره مسجدا، وأذن للناس بالدخول، فله بيعه ويورث عنه"؛ لأنه لم يخلص لله تعالى؛ لبقاء حق العبد متعلقا به.

    وحاصله أن شرط كونه مسجدا أن يكون سفله وعلوه مسجدا؛ لينقطع حق العبد عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]، بخلاف ما إذا كان السرداب أو العلو موقوفا لمصالح المسجد فإنه يجوز؛ إذ لا ملك فيه لأحد بل هو من تتميم مصالح المسجد، فهو كسرداب مسجد بيت المقدس، هذا هو ظاهر المذهب، وهناك روايات ضعيفة مذكورة في الهداية" اهـ.

    وفي فقه السادة المالكية: جاء في المدونة 1/ 108: "وسألنا مالكا عن المسجد يبنيه الرجل ويبني فوقه بيتا يرتفق به؟ قال: ما يعجبني ذلك، قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز إمام هدى، وقد كان يبيت فوق ظهر المسجد -مسجد النبي عليه السلام- فلا تقربه فيه امرأة، وهذا إذا بني فوقه صار مسكنا يجامع فيه ويأكل فيه" اهـ.

    وقال الإمام القرافي المالكي في كتابه "أنوار البروق في أنواء الفروق": "الفرق الثاني عشر والمائتان بين الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية: اعلم أن حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية؛ فهواء الوقف وقف، وهواء الطلق طلق، وهواء الموات موات، وهواء المملوك مملوك، وهواء المسجد له حكم المسجد فلا يقربه الجنب، ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع بيع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان السماء لمن أراد غرز خشب حولها، ويبني على رؤوس الخشب سقفا عليه بنيان" اهـ.

    وقال ابن رشد المالكي: "لا خلاف أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد، ولا يورث المسجد ولا البنيان الذي فوقه ويورث البنيان الذي تحته، واختلف في صلاة الجمعة عليه: هل تكره ابتداء وتصح إن فعلت، أو لا تصح وتعاد أبدا؟" اهـ.

    وقال ابن الحاج المالكي في "المدخل" في الفصل الذي عقده في البدع التي أحدثت في المسجد: فصل: ومن هذا الباب أيضا مما أحدثوه في سطوح المسجد من البيوت، وذلك غصب لمواضع المسلمين في المسجد واحتكار لها وإحداث في الوقف لغير ضرورة شرعية، وفيه من المفاسد ما تقدم ذكره من أمر المقيمين في المسجد وغصبهم لتلك المواضع التي سكنوها، بل هذا أشد؛ لأن تلك البيوت التي في السطوح مؤبدة للسكنى، بخلاف ما تقدم ذكره، وفيه مع ما ذكر من المفاسد الإقامة في المسجد، وقد يكون جنبا كما سبق في حق من تقدم ذكره.

    وقد كان بعض القضاة لما أن تولى وهو -والله أعلم- المعروف بابن بنت الأعز جاء إلى سطوح الجامع بمصر في جماعة وهدم البيوت المحدثة عن آخرها، ولم يسأل لمن هذا البيت ولا لمن هذه الثياب، بل أخذ ما وجد من ذلك وغيره ورماه في صحن الجامع، ومشى الأمر على ذلك مدة من الزمان طويلة، ثم أحدثوها أيضا لما لم يجدوا من ينهاهم عن ذلك ولا من يتكلم فيه.

    وصلاة الجمعة فيها وفي غيرها من سطوح المسجد لا تصح على مذهب مالك رحمه الله؛ لأن من شرط الجمعة الجامع المسقوف، ومن صفة المسجد أن يدخل بغير إذن، وأن يكون جميع الناس فيه سواء، وسطوح المسجد ليس كذلك فإنه محجور على بعض الناس، ولا تصح الجمعة فيما هو كذلك؛ كما لا تصح في بيت القناديل لاشتراكهما في التحجير على بعض الناس دون بعض كما تقدم، ولو قدرنا أن السطوح ليست بمحجورة على أحد؛ فالحكم في مذهب مالك -رحمه الله- للغالب، والغالب أنها محجورة على بعض الناس دون بعض كما تقدم بيانه". اهـ.

    ونقل الشيخ الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير عند قول المصنف: "(و) كره (بناء مسجد للكراء)، (و) كره (سكنى) بأهله (فوقه) عن الناصر اللقاني أن الكراهة هنا محمولة على المنع سواء كان المسجد بني للصلاة أو للكراء، كان التحبيس سابقا على السكنى أو كان متأخرا عنها" اهـ.

    ونقل الشيخ محمد أحمد عليش المالكي في "منح الجليل شرح مختصر خليل" عن ابن الحاجب والقرافي وابن شاس: أنه يجوز للرجل جعل علو مسكنه مسجدا، ولا يجوز جعل سفله مسجدا، ويمكن العلو؛ لأن له حرمة المسجد، ونحوه في الذخيرة والجواهر في التوضيح، ونحوه في المدونة والواضحة.

    ففي مختصرها: "أجاز مالك لمن له سفل وعلو أن يجعل العلو مسجدا ويسكن السفل، ولم يجز له أن يجعل السفل مسجدا ويسكن العلو، وفرق بينهما أنه إذا جعل السفل مسجدا صار لما فوقه حرمة المسجد، وأما إذا كانت له دار لها علو وسفل وأراد أن يحبس السفل مسجدا ويبقى العلو على ملكه، فظاهر ما تقدم للواضحة وابن الحاجب وتابعيه وما يأتي للمصنف في الإحياء أنه لا يجوز". اهـ المراد منه.

    ويقول الزركشي في "إعلام الساجد بأحكام المساجد": "كره مالك أن يبني مسجدا ويتخذ فوقه مسكنا يسكن فيه بأهله، قلت: وفي فتاوى البغوي ما يقتضي منع مكث الجنب فيه؛ لأنه جعل ذلك هواء المسجد، وهواء المسجد حكمه حكم المسجد" اهـ.

    ونقل ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" عن الإمام أحمد من رواية حنبل أنه لا ينتفع ببيت أسفله مسجد، وأنه لو جعل السطح مسجدا انتفع بأسفله، لأن السطح لا يحتاج إلى أسفل.

    وهذا الذي قررناه ونقلنا عليه نصوص العلماء من مختلف المذاهب الفقهية هو ما عليه دار الإفتاء المصرية؛ حيث أصدر فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية الأسبق فتوى بذلك في تاريخ الرابع من ذي الحجة سنة 1363 هجرية، الموافق للعشرين من نوفمبر سنة 1944 ميلادية كان نصها: "نفيد أن المعول عليه في مذهب أبي حنيفة أنه قبل تمام المسجدية لا يصير المبنى مسجدا إلا إذا انقطع تعلق حق كل عبد بما أريد أن يجعل مسجدا، فلو أن شخصا بنى مسجدا وتحته حوانيت ليست للمسجد أو بنى عليه بيتا لسكناه أو لاستغلاله لنفسه لا يصير هذا البناء مسجدا؛ لعدم انقطاع حق العبد بما أراد أن يجعله مسجدا.

    أما إذا جعل السفل سردابا أو بيتا لمصالح المسجد أو بنى فوقه بيتا لمصالح المسجد، فإن هذا المبنى يصير مسجدا ويخرج عن ملكه بعد توافر باقي الشروط التي ذكرها الفقهاء.

    وهذا التفصيل السابق فيما إذا لم تتم المسجدية، أما إذا تمت المسجدية فلا يجوز البناء على المسجد ولو لمصالحه؛ فالتفصيل بين البناء لمصالح المسجد وبين البناء لغير مصالحه إنما هو قبل تمام المسجدية، أما بعد تمامها فلا يجوز البناء مطلقا، حتى صرحوا بأنه لا يوضع الجذع على جدار المسجد وإن كان من أوقافه.

    هذا وتمام المسجدية -على ما قاله ابن عابدين في "رد المحتار"- يكون بالقول على المفتى به، أو بالصلاة فيه على قولهما، ويريد بالمفتى به مذهب الإمام أبي يوسف الذي لا يشترط في تمام المسجدية الصلاة في المسجد بعد الإذن من بانيه، بل يكون مسجدا بمجرد القول؛ بأن يقول: جعلته مسجدا وإن لم يصل فيه، والمفهوم من كلامهم أنه لا يلزم هذا القول، بل بناؤه على صورة المساجد كاف عند أبي يوسف في تمام مسجديته؛ لأن هذا البناء فعل منبئ عرفا بجعله مسجدا، وهذا إذا لم يوجد منه ما ينافي دلالة هذا الفعل على ذلك.

    والخلاصة أنه إذا بنى الرجل المسؤول عنه على ما أنشأه مسكنا له، فإن كان قبل تمامه فلا يكون المبني مسجدا، وإن كان بعد تمامه كان هذا البناء موضوعا بغير حق فيجب هدمه كما يمنع من بنائه قبل البناء.

    وبهذا علم الجواب عن السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم" اهـ.

    كما صدرت فتوى بذلك أيضا من فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق في تاريخ الرابع عشر من صفر سنة [1369] هجرية الموافق للخامس من ديسمبر سنة [1949] ميلادية ونصها: "نفيد أن المسجد يجب أن يكون خالصا لله تعالى؛ لقوله عز وجل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]، فأضافها إليه تعالى -مع أن كل شيء له- ليدل بذلك على وجوب أن تكون خالصة له.

    ومن هذا كان ظاهر الرواية عند الحنفية أنه لو بنى فوق المسجد أو تحته بناء لينتفع به لم يصر بهذا مسجدا، وله أن يبيعه ويورث عنه، أما لو كان البناء لمصالح المسجد فإنه يجوز ويصير مسجدا كما في الدر المختار وحاشيته والفتاوى الهندية وغيرها، هذا قبل أن يصير مسجدا، أما بعده فلا يمكن أحد من البناء عليه مطلقا.

    ونقل ابن عابدين عن " البحر" ما نصه: "وحاصله أن شرط كونه مسجدا أن يكون سفله وعلوه مسجدا؛ لينقطع حق العبد عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]، بخلاف ما إذا كان السرداب والعلو موقوفا لصالح المسجد فهو كسرداب بيت المقدس، هذا هو ظاهر الرواية". انتهى.

    ونقل عن الصاحبين أنه يجوز أن يكون سفل المسجد أو علوه ملكا بكل حال ينتفع به الباقي، أو يخصص لمصالح المسجد إذا اقتضت الضرورة ذلك، كما في البلاد التي تضيق منازلها بسكانها.

    وعلى هذا إذا كانت هناك ضرورة تدعو إلى المشروع المسؤول عنه فلا بأس بالأخذ بقول الصاحبين في الرواية المذكورة عنهما؛ لأنها تتفق مع قواعد المذهب، كقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات"، وقاعدة: "المشقة تجلب التيسير"، وغيرهما، وهذا مقرر في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. والله تعالى أعلم" اهـ.

    والله سبحانه وتعالى أعلم
    المبادئ:-
    1- يجوز للشخص الذي بنى زاوية للصلاة تحت منزله أن يغيرها إلى سكن خاص به عند الحاجة إلى ذلك.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 207 لسنة 2007 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة