• أثر ذهاب المحل على الحكم الشرعي

    يقول السائل: نسمع من بعض العلماء أن بعض الخطابات الشرعية قد لا يوجد محلها، ويمثلون لذلك بمقطوع اليد أو أبتر الساق، فإنهما فاقدان لمحل الغسل في الوضوء، فهل يسقط الحكم في تلك المسائل وأمثالها؛ لسقوط محله أم لا؟

    من المباحث التي تذكر كمدخل للكلام على أصول الفقه: "الحكم الشرعي"، وقد عرف الأصوليون "الحكم الشرعي" بأنه: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، وزاد البعض: أو الوضع، وقيل في تعريفه غير ذلك، وقد صرح الأصوليون والفقهاء بأن الحكم الشرعي لا بد له من محل -وقد يعبرون عنه بالموضوع-، وتكلموا عن حالة ذهاب هذا المحل، وعبروا عن هذا الذهاب بتعبيرات مختلفة، منها: "ذهاب المحل" (انظر: بداية المجتهد (2/185)، ط. دار الفكر).

    ومنها: "فوات المحل" (انظر: المبسوط للسرخسي (2/100)، ط. دار المعرفة)، ومنها: "زوال المحل" (انظر: رد المحتار لابن عابدين (3/354)، ط. دار الكتب العلمية)، ومنها: "سقوط المحل" (انظر: مواهب الجليل (1/192)، ط. دار الفكر، وحاشية ابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج (2/102، 103)، ط. دار إحياء التراث العربي).

    ومنها: "عدم المحل" (انظر: العناية للبابرتي (3/107)، ط. دار الفكر، بدائع الصنائع للكاساني (3/137)، ط. دار الكتب العلمية)، ومنها: "انتفاء المحل" (انظر: فتح القدير لابن الهمام (3/208)، (4/444) ط. دار الفكر)، ومنها: "انتفاء الموضوع" (انظر: العناية للبابرتي (6/424)، ومنها: "عدم الموضوع" (انظر: بريقة محمودية للخادمي 2/ 46، ط. دار إحياء الكتب العربية)، ومنها: "زوال الموضوع" و"ذهاب الموضوع" و"تغير الموضوع" وهذه التعبيرات الثلاثة تجدها في كتب الشيعة المدونة في علم الأصول (انظر: الفصول الغروية في الأصول الفقهية للحائري ص399 ط. دار إحياء العلوم الإسلامية بقم، تقريرات في أصول الفقه (تقرير بحث آية الله العظمى السيد آفا حسين البروجردي) للإشتهاردي ص109 ط. مؤسسة النشر الإسلامي بقم، مناهج الأحكام لميرزا القمي ص329، ط. مؤسسة النشر الإسلامي بقم)، ومنها: "هلاك المحل"، و"بطلان المحل"، غير أن هذين التعبيرين يكثر ورودهما مع ما يسمى بـ(محل العقد)، والذي يعد أحد أركان المعاملات المالية، أي: ما يقع عليه العقد وتظهر فيه أحكامه وآثاره، وهو مختلف باختلاف العقود؛ فقد يكون محل العقد عينا مالية؛ كما في البيع والهبة والرهن، وقد يكون عملا من الأعمال؛ كعمل الأجير في الإجارة، وعمل الزارع في المزارعة، وعمل الوكيل في الوكالة، وقد يكون منفعة شيء معين؛ كمنفعة المأجور في عقد الإجارة، ومنفعة المستعار في عقد الإعارة، وقد يكون غير ذلك؛ كما في عقد النكاح والكفالة ونحوهما.

    (انظر: بدائع الصنائع (7/379)، المغني لابن قدامة (5/290)، ط. دار إحياء التراث العربي).

    والخلاصة: أن الألفاظ المستعملة في بيان معنى ذهاب المحل تؤدي نفس المعنى أو قريبا منه، لكن رغم استعمال الفقهاء لمصطلح ذهاب المحل وما شابهه إلا أنهم لم يبينوا ما المراد بمحل الحكم، والمتأمل في عباراتهم يجد أنهم يطلقونه على عدة معان تختلف باختلاف مكان وروده، فقد يكون: الفاعل المخاطب بالقيام بالفعل، أو يكون: ما يقع عليه هذا الفعل، أو يكون: ما يقع فيه هذا الفعل -المكان والزمان-، أو يكون: الوصف الذي حدده الشارع للقيام بالفعل.

    فمثال المحل بمعنى المفعول فيه -المكان- ما جاء في بدائع الصنائع من كتب الحنفية (1/ 3) من أن: "الطهارة لغة وشرعا هي: النظافة، والتطهير، والتنظيف، وهو: إثبات النظافة في المحل" اهـ.

    وقال الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (5/442)، ط. دار الكتب العلمية): "الشبهة ثلاثة أقسام: شبهة فاعل؛ كأن يكون جاهلا، وشبهة محل؛ كظن أنها زوجته، وشبهة جهة؛ كالنكاح بلا ولي" اهـ.

    ومن ذلك المعنى أيضًا قولهم: "محل خلاف"، و"محل نزاع"، أي: مكان الخلاف وموطن النزاع، إلا أن المكانية هنا معنوية لا يراد منها المعنى الحقيقي.

    ومثال المحل بمعنى المفعول فيه -الزمان- ما قاله السرخسي في "المبسوط" (7/210): "وإن جاء المكاتب بالمال قبل محل الأجل فأبى المولى أن يقبله أجبر على أخذه" اهـ.

    وقال العلامة الدردير في كيفية صلاة العيدين من "الشرح الصغير" (1/525)، ط. دار المعارف): "ومحل التكبير قبل القراءة" أي: زمانه.

    ومثال المحل بمعنى المفعول به -ما يقع عليه الفعل- قولهم: "محل العقد" أي ما يقع عليه التصرف.

    قال ابن قدامة في "المغني" (4/ 113): "المبيع إنما صار محلا للعقد باعتبار صفة المالية، فما يوجب نقصا فيها يكون عيبا" اهـ.

    ومن أمثلة المحل بمعنى الفاعل: ما قاله السبكي في فتاويه (1/201)، ط. دار المعارف): "فإن قلت: كل واحد لا بد له من محل فما محل وجوب الزكاة؟ قلت: عند الشافعي محله المال، وعند أبي حنيفة محله بدن المالك؛ لأن التكليف عنده بالأدلة فقط، والعبادات البدنية محلها البدن عندنا، وعندهم كالصلاة والصوم؛ ولهذا إذا مات سقطت لفوات محلها" اهـ.

    ومثل ذلك أيضًا ما يقال في الخطابات المتوجهة إلى الغافل والنائم والساهي والمكره الملجئ، وكذا الخطابات المتعلقة بخليفة المسلمين أو بالأرقاء.

    فالرقيق والخليفة مثلا محل للخطابات الموجهة إليهما، فمثال الخطابات المتعلقة بالأرقاء قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33].

    فالمحل هنا بمعنى الفاعل -وهو السيد- غير موجود في أزماننا، وبمعنى المفعول به -وهو العبد- غير موجود أيضًا، وكذا الخطاب الموجه إلى خليفة المسلمين بعد انهيار الخلافة الكبرى قد فقد محله، حيث لا خليفة بالمعنى المعروف عند المسلمين، فالخليفة محل بمعنى الفاعل في الخطاب الموجه إليه، وبمعنى المفعول أي ما يقع عليه الفعل إذا كان الخطاب للرعية كوجوب الطاعة مثلا.

    ويدخل في مفهوم المحل الشروط والأركان، فمثلا شرط الصلاة: الطهارة، والعلم بدخول الوقت، وستر العورة، واستقبال القبلة...إلخ، فهذه الشروط أوصاف حددها الشارع للقيام بالفعل، ويصح جعلها محلا له، ومن ناحية أخرى فإنه يمكن إرجاع تلك الشروط إلى مدلول من مدلولات المحل السابقة، فطهارة الأعضاء معنى ينتظمه مدلول المحل بمعنى الفاعل، وكذا استقبال القبلة، وكذا ستر العورة، والعلم بدخول الوقت فهو معنى ينتظمه مدلول المحل بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول فيه أيضًا أي ما يقع فيه الفعل -الزمان-، وطهارة المكان محل بمعنى ما يقع فيه الفعل -المكان-، وكذا يقال في باقي الأركان.

    وعليه: فذهاب المحل معناه: حالة يفقد فيها الحكم الشرعي زمانه أو مكانه أو أوصافه المحددة له شرعا.

    وذهاب المحل غير النسخ؛ فهما وإن اشتركا في أن كلا منهما فيه رفع للحكم، إلا أن النسخ يكون لعلة أرادها الله، سواء ظهرت لنا الحكمة منه أو لا، بخلاف ذهاب المحل؛ فارتفاع الحكم في هذه الحالة علته فقدان المحل، وكذلك فإن الرافع للحكم في النسخ حقيقة هو الله تعالى، وقد يطلق على غيره توسعا، يقول الزركشي: "أركان النسخ ثلاثة: الناسخ، والمنسوخ، والمنسوخ عنه.

    أما الناسخ فهو الله تعالى على الحقيقة، وتسمية خطابه الدال على النسخ ناسخا توسع" اهـ (البحر المحيط (4/69)، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت)، بخلاف حالة ذهاب المحل؛ فالذي يحكم برفع الحكم حقيقة هو الفقيه بناء على ظنه فقدان الحكم لمحله، في مقابل ذلك يحكم برجوع الحكم بناء على ظنه تحقق وجود المحل، ومثال ذلك: ما روي من إيقاف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحد السرقة في عام المجاعة، فلا يقال: إن سيدنا عمر نسخ حكم الحد، بل أوقفه لعدم المحل، فإن من شرط إقامة الحد عدم وجود الشبهة، وهذا الشرط من جملة محل الحكم، فلما لم يتحقق هذا الشرط أوقفه سيدنا عمر، على أنه أقام الحد مع تحقق شرطه كما هو معلوم.

    ومما يرتبط بما نقول هنا: مسألة هل ذهاب المحل نسخ بالعقل أم لا؟ فقد ذهب الرازي إلى القول بأن ذهاب المحل نوع من أنواع النسخ بالعقل؛ فقد استدل على جواز النسخ بالعقل بحالة من حالات ذهاب المحل، وهي سقوط الغسل في حق من سقطت رجلاه، وتبعه السراج الأرموي في "التحصيل" (1/386)، ط. مؤسسة الرسالة).

    قال في "المحصول" (3/133)، ط. جامعة الإمام): "فإن قيل: لو جاز التخصيص بالعقل، فهل يجوز النسخ به؟ قلنا: نعم؛ لأن من سقطت رجلاه سقط عنه فرض غسل الرجلين، وذلك إنما عرف بالعقل" اهـ.

    ولكن جمهور الأصوليين لا يرون النسخ العقلي؛ قال الآمدي: "وأما امتناع النسخ بالعقل، فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة الحكم المقصودة في نظر الشارع، وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد قولهم العقل، بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب تعالى مخلوقة مقدورة" اهـ (الإحكام (2/387)، ط. دار الصميعي، وراجع: منتهى السول (ص145).

    وأما المثال الذي ذكره الإمام الرازي فلا يسلم أنه من قبيل النسخ العقلي؛ لأن ساقط الرجلين لم ينسخ عنه غسلهما، بل زال الوجوب لعدم القدرة لا غير.

    قال العلامة القرافي عند شرحه لكلام الإمام الرازي في "نفائس الأصول" (5/2073، 2074)، ط. نزار مصطفى الباز): "لا نسلم أن هذا نسخ؛ لأن الوجوب ما ثبت في أول الأمر إلا مشروطا بالقدرة والاستطاعة وبقاء المحل ودوام الحياة، وعدم الحكم عند عدم الشرط ليس نسخا، فإن الموانع تطرأ على المحال والأحكام مع طول الزمان وكذلك بعدم الشروط فلا يقال لذلك نسخ، وليس هو نسخا في نفسه، فإن من سافر في رمضان لم ينسخ عنه الصوم والصلاة؛ لأنه إنما وجب بشرط الإقامة، وإذا حاضت المرأة لا يقال: نسخ عنها الصوم والصلاة، هذا لا سبيل إليه، بل النسخ إنما يتحقق في حكم ترتب على شرط لم يبق مترتبا على ذلك الشرط، أو في محل بغير شرط فلم يبق في ذلك المحل، وحاصله أنه رفع الحكم بعد ثبوته، وهذه الأحكام ما ثبتت في أصل الشريعة إلا مشروطة بهذه الشروط على هذه الأوضاع، فما تغير شيء حتى يقال: إنه نسخ" اهـ.

    على أن الخلاف بين الرازي وغيره في هذا الفرع لفظي لا تظهر له ثمرة، وسقوط غسل الرجلين مثلا في حق مقطوعيهما متفق عليه سواء أقلنا: إن هذا ذهاب محل أم نسخ بالعقل أو زوال للشيء لزوال شرطه أو سببه.

    ومما يشبه ذهاب المحل: الاستحالة، وهي تغير الشيء من طبعه ووصفه إلى طبع ووصف آخر مغاير، ومن أمثلتها: الخمر تستحيل خلا، والدم يستحيل مسكا، والطعام يستحيل قيئا، فالاستحالة هي تغير الوصف مع بقاء الماهية، وهي في حقيقتها تمثل حالة من حالات ذهاب المحل، فحكم الخمر مثلا حرمة التناول، وإذا تخللت سقط هذا الحكم لسقوط المحل وهو هنا الوصف الذي تغير إلى وصف آخر -الخل-، ويلزم القول بأن محل الحرمة -أي: محل الحكم- في الخمر الوصف لا الماهية والكنه، وإلا لو كانت الماهية هي المحل فهي باقية ولو بعد الاستحالة، ورغم ذلك ارتفعت الحرمة، فيقال إذن: إن الحرمة ارتفعت لارتفاع الوصف المتعلقة به.

    ومما يشبه ذهاب المحل: عوارض الأهلية: والأهلية يدور معناها في الاصطلاح حول الصلاحية، يقول البزدوي: "أما أهلية الوجوب فينقسم فروعها، وأصلها واحد وهو الصلاح للحكم" اهـ (أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار (4/237)، ط. دار الكتاب الإسلامي)، وبمعنى آخر: فالأهلية صلاحية الإنسان للوجوب له وعليه، ولصحة تصرفاته وتعلق التكليف به.

    وهي تنقسم إلى: أهلية وجوب، وأهلية الأداء: أما أهلية الوجوب: فهي صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه معا، أو له فقط، ويعبر عنها بأهلية الشخص للإلزام والالتزام.

    وأما أهلية أداء: فهي صلاحية الإنسان لكون ما يصدر عنه معتبرا شرعا، فهي صفة تجعل المرء أهلا للإيجاب والقبول والإنشاء وغيرها من الأعمال التي اشترط الشرع العقل لاعتبارها، ويتوقف على تلك الأهلية اعتبار التصرفات سواء كانت قولية أو فعلية.

    وأهلية الأداء قد يطرأ عليها ما يؤثر عليها بالنقص أو الزوال، وهو ما يسمى بـ"عوارض الأهلية"؛ ومنها: الجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والإغماء، والمرض، والرق، والحيض، والجهل، والسكر، والخطأ، والإكراه.

    وهذه العوارض هي حالة من حالات ذهاب المحل، فالذي طرأ لعقله عارض أثر على إدراكه بالنقصان أو الزوال عندما يأتيه الخطاب الشرعي لا يجد محلا صالحا لتنفيذ ما اقتضاه هذا الخطاب من الأحكام؛ ولذا يستثني الفقهاء من كان على هذه الحالة من التكليف الشرعي، فيصح أن نقول: إن محل الخطاب الشرعي المقتضي فعل شيء أو تركه في هذه الحالة قد ذهب، أضف إلى ذلك أن بعض هذه العوارض تعد في حقيقتها من شروط أو أركان تحقق الحكم الشرعي، وقد مر أن مفهوم المحل ينتظم شروط وأركان الفعل، فالحكم الشرعي يتطلب إنسانا على صفة التكليف، وهي ناقصة أو معدومة فيمن عرض لعقله عارض، ومن شروط الـمكلف بهذا الخطاب أن لا يكون به من الأعذار ما يمنع من إيقاعه معتبرا شرعا.

    والحقيقة: أن القول بأن الحكم يذهب بذهاب محله مطلقا غير سديد، وقد وجدت بعض الفروع قد ذهب فيها المحل، لكن حصل خلاف فيها بين قائل بسقوط الحكم وقائل ببقائه.

    ومن هذه المسائل: مسألة فاقد الطهورين: فقد يحدث في بعض الأحيان أن مريد الصلاة لا يجد ما يتطهر به، كأن حبس في مكان لا ماء فيه وأرضه نجسة، فهل يصلي من ذكر على حاله بغير طهارة، أم يؤخر الصلاة لحين القدرة على التطهر، وإذا صلى هل يعيد بعد القدرة على التطهر أم لا؟ للفقهاء في ذلك أربعة أقوال:

    القول الأول: لا تجب عليه الصلاة، بل تستحب، ويجب عليه القضاء سواء صلى أم لم يصل، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد. (المجموع للنووي (2/322)، ط. مكتبة الإرشاد، والإنصاف للمرداوي (1/281)، ط. دار إحياء التراث العربي).

    القول الثاني: لا تجب عليه الصلاة، وليس عليه قضاء، وهو المعتمد عند المالكية. (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/ 163، ط. دار إحياء الكتب العربية).

    القول الثالث: تحرم عليه الصلاة وعليه القضاء، وهو قول أبي حنيفة وزفر، وقول للمالكية في غير المعتمد، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد، وقول الثوري والأوزاعي (انظر: بدائع الصنائع (1/50)، ومواهب الجليل (1/360)، والمجموع (2/322)، والإنصاف (1/281)، وفتح الباري لابن حجر (1/440)، ط. دار المعرفة).

    القول الرابع: يجب عليه الصلاة والحالة هذه -وفي الإعادة قولان في كل مذهب-، وهو قول للمالكية في غير المعتمد، والجديد عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، إلا أنهما قالا: يتشبه بالمصلين، وبه يفتى عند الحنفية. (شرح المحلي على المنهاج (1/109، 110)، ط. دار إحياء التراث العربي، والإنصاف (1/282، 283).

    والخلاف في هذه المسألة مبني على عدم وجود دليل صريح فيها، كما أنه يتنازعها أمران:

    الأول: أن الصلاة ركن ركين في الإسلام، وقد أوجبها الشارع مع حالات قد يشغل المرء فيها عنها؛ كحالة الجهاد.

    والثاني: أن الشرط الشرعي يلزم من عدمه عدم مشروطه، وقد صح أن الطهارة شرط شرعي للصلاة.

    ويظهر مما تقدم أن الأقوال في هذه المسألة مردها إلى قولين: الأول القائل بسقوط الصلاة، والثاني القائل بعدم سقوطها، فالمالكية وهم القائلون بسقوط الصلاة عمن فقد الطهورين أعملوا ذهاب المحل في ناحية الحال والمآل -أي حالة فقد الطهور وفي الإعادة-، وهذا هو القول الوحيد في المسألة الذي أعمل ذهاب المحل، ويقرب منه قول أبي يوسف أنه يلزمه التشبه، فالتشبه ليس صلاة حقيقة.

    والحقيقة أن القياس يقتضي المصير إلى ما ذهب إليه المالكية؛ من حيث إن الطهارة محل للصلاة، فكان لزاما سقوط الصلاة حالة ذهاب محلها، لكن وجدت اعتبارات أخرى أقوى من اعتبار ذهاب المحل، وهي التي جعلت فريقا من الفقهاء لا يسقط الصلاة في هذه الحالة؛ ومنها: ما رواه الشيخان أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما استعارت من أسماء رضي الله عنها قلادة، فهلكت، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناسا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم.

    فهذا الحديث يفيد أنهم قد صلوا صلاة كاملة بغير طهارة عند ضرورة عدم المحل، فالقول بسقوط الصلاة حالة فقد الطهور بسبب ذهاب المحل يناقض هذا النص.

    ومن المسائل أيضًا: مسألة: اختلاف الدارين: والمراد بالدار: الموضع أو البلد أو الوطن الذي يسكنه مجموعة من الناس ويستظلون بمظلة قيادة معينة، يقول ابن عابدين: "المراد بالدار: الإقليم المختص بقهر ملك إسلام أو كفر" اهـ (حاشية ابن عابدين (4/166).

    وقد قسم جمهور الفقهاء الدار بهذا المعنى إلى قسمين:

    الأول: دار المسلمين، وهي الدار التي يحكمها سلطان مسلم، وتجري فيها أحكام الإسلام.

    والثاني: دار غير المسلمين، وهي الدار التي لا تجري فيها أحكام الإسلام، ولا يكون سلطانها من المسلمين، وقد تكون دار عهد أو دار حرب.

    وتقسيم الدار إلى دار مسلمين وغير مسلمين هو الأليق بحال زماننا؛ إذ إن استعمال الفقهاء في مصنفاتهم لكلمة "دار الحرب" استعمال ملاحظ فيه الزمن، حيث إن تلك البلاد كانت تناصب المسلمين العداء، وتغزو بلادهم، أو تشردهم من أوطانهم، أما الآن فإننا نرى العالم لا يأبى إقامة المسلمين فيه، ولا يرفض دعوة الإسلام، وليست هناك حرب معلنة بين بلد معين وبلاد المسلمين.

    وبناء على اختلاف ماهية كل من دار المسلمين ودار غير المسلمين أسس الفقهاء أحكاما يرتبط تنفيذها بالدار التي تقام فيها تلك الأحكام، فمايزوا في الحكم في المسألة الواحدة بناء على المكان الذي يقام فيه هذا الحكم، وأبواب الفقه مليئة بالشواهد على ذلك، في أبواب القصاص والدية والكفارات والحدود، والميراث، والوصايا، والنكاح، وكذلك العقود الفاسدة، والجامع بين تلك الفروع جميعها -دون خوض في التفاصيل- أنه يصح جعل الدار محلا للحكم، والمحل هنا بمعنى المكان، وقد مر أن معاني المحل المكان، فمثلا: مسألة الربا في دار غير المسلمين منعه المالكية، والشافعية، والحنابلة على الصحيح، وأبو يوسف من الحنفية، وهو قول إسحاق والأوزاعي، وجوزه أبو حنيفة ومحمد، والخلاف في المسألة مبني على اختلاف الدار وأثره على الحكم الشرعي، ومعناه جعل الدار محلا للحكم، وعلى ذلك يتخرج كل المسائل المتعلقة بدار الحرب ودار الإسلام.

    وهذان المثالان وغيرهما من أمثلة ذهاب المحل يجعلنا لا نردد عبارة أن الحكم يذهب بذهاب محله مطلقا، لكن يمكننا وضع ضابط في هذا السياق، وهو: أن الأصل في الحكم أن يذهب بذهاب محله، هذا هو الحكم الأصلي لحالات ذهاب المحل، ويستثنى من ذلك حالات، منها: أن يكون الحكم أهم من المحل الذي ذهب، ومنها: أن يوجد بديل للمحل يقوم مقامه في إيجاد الحكم، وهو يشبه إلى حد كبير الواجب المرتب كما في الكفارة؛ فالواجب العتق فإن عجز فالصوم فإن عجز فالإطعام، وهذا العجز أعم من يجد الرقبة مثلا ولا يقدر على ثمنها، بل يشمل أيضًا: ما إذا قدر على ثمنها ولا يستطيع الحصول عليها للفقد الحسي، وهي مسألة ذهاب المحل.

    وعليه: فإن الأصل أن الحكم يرتفع بذهاب محله؛ ولكن هذا ليس ضروريا في كل الصور؛ ففي بعض الصور يذهب المحل ويبقى الحكم؛ ولكن لاعتبارات أقوى من مجرد ذهاب المحل، فلا يحيل العقل إيقاع الحكم إذا ذهب محله، لكن يبقى أن تعيين المراد بمحل الحكم والكشف عن مدلوله من الأهمية بمكان حتى يتسنى معرفة أثر ذهابه على الحكم؛ فالخلاف في المسائل التطبيقية لذهاب المحل راجع إلى تحديد مدلول المحل وتكييف المسألة من كونها مشتملة على محل قد انعدم، أو أن المعدوم ليس محلا لإيقاع الحكم، وهذا هو عمل الفقيه في الحالة المعروضة أمامه، حتى لا يشتبه أي معنى آخر بمسألة ذهاب المحل.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ

    1- صرح الأصوليون والفقهاء بأن الحكم الشرعي لا بد له من محل -وقد يعبرون عنه بالموضوع-، وتكلموا عن حالة ذهاب هذا المحل، وعبروا عن حالة ذهابه بتعبيرات مختلفة.

    2- الألفاظ المستعملة في بيان معنى ذهاب المحل تؤدي نفس المعنى أو قريبا منه.

    3- من شرط إقامة الحد عدم وجود الشبهة، وهذا الشرط من جملة محل الحكم.

    4- جمهور الأصوليين لا يرون النسخ بالعقل بينما ذهب الرازي إلى القول بأن ذهاب المحل نوع من أنواع النسخ بالعقل.

    5- يتوقف اعتبار التصرفات سواء كانت قولية أو فعلية على أهلية الأداء.

    6- يستثني الفقهاء من طرأ لعقله عارض أثر على إدراكه بالنقصان أو الزوال من التكليف الشرعي.

    7- الشرط الشرعي يلزم من عدمه عدم مشروطه.

    8- الأصل أن الحكم يرتفع بذهاب محله؛ وهذا ليس ضروريا في كل الصور، وقد يذهب المحل ويبقى الحكم؛ ولكن لاعتبارات أقوى من مجرد ذهاب المحل.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 207 لسنة 2011 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة