• حكم المسح على الجورب

    يقول السائل: يمسح بعض الناس على ما يسمى بـ (الشراب)، وقد يكون رقيقا بحيث لا يمنع وصول الماء إلى القدم، ويعللون ذلك بأن من الفقهاء من أجاز المسح على الجورب، فهل هذا الكلام صحيح؟

    الواجب في الوضوء غسل الرجلين عملا بآية سورة المائدة، لكن شرع ترك هذا الواجب رفعا للحرج عن العباد، فأبيح المسح على الخفين؛ إذ الحاجة تدعو إليه لشدة برد أو نحو سفر أو شغل، فهو رخصة، وقد اتفق الفقهاء على أن من شروط المسح على الخف لبسه بعد كمال الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، وأن يكون ساترا لمحل غسل الفرض من الرجلين، وأن يمنع نفوذ الماء إلى القدم، وأن يكون صفيقا قويا يمكن متابعة المشي عليه، وقد يعبرون عن الصفاقة بالثخانة (راجع: بدائع الصنائع (1/9)، ط. دار الكتب العلمية، وشرح الخرشي على مختصر خليل (1/179)، ط. دار صادر، والمجموع للنووي (1/523)، ط. مكتبة الإرشاد، والفروع لابن مفلح وبهامشه تصحيح الفروع للمرداوي (1/158)، ط. عالم الكتب).

    والمراد بالصفيق: كثيف النسج، قال في "اللسان" (10/200)، ط. دار صادر): "يقال: ثوب صفيق متين بين الصفاقة، وقد صفق كثف نسجه، وأصفقه الحائك وثوب صفيق جيد النسج".

    والصفيق الثخين، والثخين من ثخن الشيء ثخونة وثخانة وثخنا، فهو ثخين، أي كثف وغلظ (راجع: لسان العرب (13/77)، مادة (ثخن)، معجم مقاييس اللغة لابن فارس (1/338)، مادة (ثخن)، ط. دار الفكر).

    وعلى ذلك فاشتراط الصفاقة أو الثخانة في الشيء يتحقق بستره ما تحته، يقول الإمام الشافعي في "الأم" (1/49) بتصرف، ط. دار المعرفة): "فإذا كان الخفان من لبود أو ثياب أو طفى فلا يكونان في معنى الخف حتى يكون كل ما على مواضع الوضوء منها صفيقا لا يشف".

    ومسألة المسح على ما يسمى في أزماننا بـ(الشراب) قد بحثها الفقهاء تحت عنوان: المسح على ما يقوم مقام الخف، وأوردوا في ضمن ذلك المسح على الجورب، فبعضهم أطلق الجواز في المسح على الجورب، والبعض قيده، والبعض قال بالمنع، ويرجع سبب الاختلاف إلى سببين:

    أحدهما: الاختلاف في ثبوت الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في جواز المسح على الجوربين.

    وثانيهما: الاختلاف في أنه هل يصح القياس في العبادات أم لا، فمن لم يبلغه حديث المسح على الجورب، أو بلغه لكنه لم يثبت عنده هذا الحديث ولم ير القياس على الخف، قصر المسح على الخف، فلم يقل بجواز المسح على الجورب، ومن ثبت عنده صحة حديث في المسح على الجورب، أو أجاز قياس غير الخف على الخف جوز المسح على الجورب.

    والجورب – بفتح الجيم والراء وسكون الواو- كلمة أعجمية عربت، وزان (فوعل)، والجمع "جوارب" و"جواربة".

    قال الفيروزآبادي كغيره: "الجورب لفافة الرجل" (القاموس المحيط (1/86)، باب الباء فصل الجيم)، وهو ما يلبس فوق القدم من غير الجلد. (راجع: مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ص119)، ط. مكتبة لبنان، والمصباح المنير للفيومي (ص95)، مادة (جرب)، ط.دار الفكر، ولسان العرب (1/259)، مادة (جرب).

    يقول الحطاب المالكي: "قال في التوضيح: الجورب ما كان على شكل الخف من كتان أو قطن أو غير ذلك" (مواهب الجليل (1/318)، ط. دار الفكر). وقال ابن عابدين في حاشيته: "الجورب لفافة الرجل. قاموس، وكأنه تفسير باعتبار اللغة لكن العرف خص اللفافة بما ليس بمخيط، والجورب بالمخيط ونحوه الذي يلبس كما يلبس الخف" (رد المحتار (1/269)، ط. دار الكتب العلمية).

    وفي "البناية" للعيني (1/597)، ط. دار الفكر): "الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول، يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب".

    وقال البهوتي في "شرح المنتهى" (1/81)، ط. عالم الكتب): "والجورب غشاء من صوف يتخذ للدفء، قاله الزركشي.

    وفي شرحه: ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل على هيئة الخف، من غير الجلد حتى لزمن لا يمكنه المشي لعاهة".

    وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (1/227، 228)، ط. دار الحديث): "والخف نعل من أدم يغطي الكعبين، والجرموق أكبر منه يلبس فوقه، والجورب أكبر من الجرموق".

    وقال أيضًا بعد ذكره حديث بلال في مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الموق: "... والحديث بجميع رواياته يدل على جواز المسح على الموقين، وهما ضرب من الخفاف ... ويدل على جواز المسح على الجورب، وهو لفافة الرجل. قاله في الضياء والقاموس. وقد تقدم أنه الخف الكبير".

    والجرموق -بضم الجيم والميم- فارسي معرب، وهو شيء يلبس فوق الخف لشدة البرد، أو حفظه من الطين وغيره، ويكون من الجلد غالبا، ويقال له الموق أيضًا، وجمعه جراميق. (راجع: العناية (1/155)، ط. دار الفكر، وشرح الخرشي (1/178)، والمجموع (1/531)، والإنصاف (1/170)، ط. دار إحياء التراث العربي).

    وجاء في "عون المعبود" للعظيم آبادي (1/269)، ط. المطبعة السلفية): "قال الطيبي: الجورب لفافة الجلد وهو خف معروف من نحو الساق.

    قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفاء، وهو التسخان. ومثله في قوت المغتذي للسيوطي.

    وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: الجورب خف يلبس على الخف إلى الكعب للبرد ولصيانة الأسفل من الدرن والغسالة.

    وقال المطرزي: الموق خف قصير يلبس فوق الخف.

    وقد ذكر نجم الدين الزاهدي عن إمام الحنفية شمس الأئمة الحلواني أن الجورب خمسة أنواع: من المرعزي ومن الغزل والشعر والجلد الرقيق والكرباس.

    قال: وذكر التفاصيل في الأربعة من الثخين والرقيق والمنعل وغير المنعل والمبطن وغير المبطن".

    والناظر في هذه النصوص وغيرها يرى أن صفة الجورب فيها ليست واحدة، بل ورد وصفه بأكثر من وصف بحيث لا يمكن الجمع بين هذه الأوصاف، كما أن الاختلاف في جعل الجورب نوعا من الخف أم مغايرا عنه يشبهه، فالبعض وصفه بأنه خف لكن من نوع خاص، والبعض شبهه بالخف لكن له صفة مغايرة عنه من حيث الطول والنوع.

    يقول العظيم آبادي معللا هذا الخلاف في الوصف: "...فعلم من هذه الأقوال أن الجورب هو نوع من الخف إلا أنه أكبر منه، فبعضهم يقول هو إلى نحو الساق، وبعضهم يقول: هو خف يلبس على الخف إلى الكعب، ثم اختلفوا فيه: هل هو من جلد وأديم، أو ما هو أعم منه من صوف وقطن. ففسره صاحب القاموس بلفافة الرجل.

    وهذا التفسير بعمومه يدل على لفافة الرجل من الجلد والصوف والقطن. وأما الطيبي والشوكاني فقيداه بالجلد. وهذا مآل كلام الشيخ الدهلوي أيضًا.

    وأما الإمام أبو بكر بن العربي ثم العلامة العيني فصرحا بكونه من صوف.

    وأما شمس الأئمة الحلواني فقسمه إلى خمسة أنواع، فهذا الاختلاف والله أعلم إما لأن أهل اللغة اختلفوا في تفسيره، وإما لكون الجورب مختلف الهيئة والصنعة في البلاد المتفرقة، ففي بعض الأماكن كان يتخذ من أديم، وفي بعضها من كل الأنواع، فكل من فسره إنما فسره على هيئة بلاده، ومنهم من فسره بكل ما يوجد في البلاد بأي نوع كان" (عون المعبود (1/270).

    والذي نستيقن منه أن الجورب -سواء كان نوعا من الخف أو يشبه الخف- له صفات مغايرة للخف، ومغايرة أيضًا لما يسمى في زماننا بـ(الشراب)، ولا تشبهها إلا في مجرد الاسم، واتحاد الاسم لا يلزم منه اتحاد المسمى، فلا يصح سحب الخلاف في المسح على الجورب للمسح على (الشراب)، ولا يكمل الاستدلال على جواز المسح على (الشراب) بالقول: إن (الشراب) ما هو إلا جورب من نوع خاص، وقد أجاز بعض الفقهاء المسح على الجورب الرقيق، فيصح حينئذ المسح على (الشراب)؛ لأنه وإن سلم جدلا أن (الشراب) نوع خاص من الجورب، فاستدلال بعض الفقهاء على جواز المسح على الجورب الرقيق مردود عليه، ذلك أن جمهور الفقهاء يرون أنه لا يصح المسح على الجورب إلا إذا قام مقام الخف بأن يكون صفيقا يمنع نفوذ الماء، ويمكن متابعة المشي عليه، وزاد الحنفية شرط التجليد أو التنعيل، ووافقهم المالكية في التجليد خاصة، والتنعيل وضع الجلد في أسفل الخف، بخلاف التجليد فهو ما يكون فوقه وأسفله. (راجع: الشرح الكبير (1/141)، ط. دار إحياء التراث العربي، العناية مع فتح القدير (1/156)، وبدائع الصنائع (1/10)، والمجموع (1/ 527)، ومغني المحتاج للشربيني (1/207)، ط. دار الكتب العلمية، والإنصاف (1/182)، وشرح المنتهى للبهوتي (1/61).

    أما الظاهرية فقد أجازوا المسح على كل ما لبس في الرجلين إن كان يحل لبسه، ويبلغ فوق الكعبين، وإن فقد شرط الصفاقة وإمكان متابعة المشي عليه، ويدخل فيه (الشراب) (راجع: المحلى لابن حزم (1/321)، ط. دار الكتب العلمية)، واستدلوا على ذلك بما يلي:

    أولًا: حديث المغيرة بن شعبة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين».

    وهذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، والترمذي عن هناد ومحمود بن غيلان، والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم، وابن ماجه عن علي بن محمد، كلهم عن وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عنه.

    ثانيًا: حديث أبي موسى الأشعري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين».

    أخرجه ابن ماجه عن محمد بن يحيى، عن معلى بن منصور وبشر بن آدم، عن عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبدالرحمن بن عرزب عنه.

    ثالثًا: حديث ثوبان قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين».

    أخرجه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عنه، وأبو داود عن الإمام أحمد بسنده، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أحمد بن جعفر القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، والبيهقي عن أبي علي الروذباري عن محمد بن بكر عن أبي داود بسنده.

    ووجه الدلالة في الحديثين الأولين: أن الجورب فيهما مطلق، فيدل على أن كل ما يقع عليه اسم جورب فالمسح عليه جائز (المحلى (1/336).

    كما أن التساخين الواردة في الحديث الثالث هي كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما.

    والجـــواب عن الاستدلال بالحديثين الأولين من جهة السند والدلالة: أما السند فحديث المغيرة وأبي موسى الأشعري فيهما مقال، فقد ضعفهما كبار الأئمة والحفاظ: فحديث المغيرة يقول فيه أبو داود: "وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين"، ويقول النسائي في "الكبرى": "لا نعلم أحدا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين"، وذكر البيهقي هذا الحديث وقال: "حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد وابن معين وابن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وقال أبو محمد يحيى بن منصور: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان، هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين. وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل.

    فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي فسمعته يقول سمعت على بن مخلد بن شيبان يقول سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي قلت لسفيان الثوري: لو حدثتنى بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك. فقال سفيان: الحديث ضعيف أو واه أو كلمة نحوها".

    وقال أيضًا: «سألت أبا زكريا -يعني يحيى بن معين- عن هذا الحديث، فقال: الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس". وقال نحو ذلك في "المعرفة".

    وقال النووي في "المجموع" (1/527): "حديث المغيرة ضعيف ضعفه الحفاظ، وقد ضعفه البيهقي ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين ومسلم بن الحجاج، وهؤلاء هم أعلام أئمة الحديث، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن، فهؤلاء مقدمون عليه بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة".

    فقد حكم غير واحد من الأئمة على هذه الرواية لحديث المغيرة بالنكارة، ووجهه: أن فيها أبا قيس، وهو عبد الرحمن بن ثروان –ويقال: سروان– الدمشقي الكوفي الأودي، قال النسائي فيه: ليس به بأس.

    وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وهو قليل الحديث، وليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟ فقال: صالح، هو لين الحديث.

    وقال الدارقطني في "العلل" (7/112)، ط. دار طيبة) عند الكلام على هذا الحديث: لم يروه غير أبي قيس، وهو مما يغمز عليه به؛ لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين.

    وقال عبد الله بن أحمد فيما نقله العقيلي: سألت أبي عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان، فقال: هو كذا وكذا -وحرك يده- وهو يخالف في أحاديث (ضعفاء العقيلي (2/327)، ط. دار الكتب العلمية.

    وراجع: تهذيب الكمال للمزي (17/21، 22)، ط. مؤسسة الرسالة، وميزان الاعتدال (2/552)، ط. دار المعرفة، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/218)، ط. دار إحياء التراث العربي).

    ووثقه ابن معين، والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب" [2/337)، ط. دار الرشيد): "صدوق ربما خالف".

    وعليه فقد اجتمع في الرجل جرح وتعديل، والأصح عند الفقهاء والأصوليين كما نقل السيوطي في "التدريب" أنه يقدم الجرح المفسر على التعديل، وقول أحمد –وهو من المعتدلين في الجرح التعديل– صريحا مفسرا؛ فإنه بين السبب الذي به المخالفة (الحق الحقيق في حكم المسح على الجورب الرقيق لنضال إبراهيم آله رشي، ص (57، 58)، ط. دار البيروتي)، أضف إلى ذلك أن حديث المسح على الخفين روي عن المغيرة من نحو ستين طريقا ليس فيها المسح على الجوربين إلا في رواية أبي قيس؛ فلذا حكم عليها بالنكارة، والحديث المنكر: ما رواه الضعيف مخالفا الثقات، وعلى فرض توثيق أبي قيس يكون الحديث شاذا؛ لأنه قد خالف فيه المقبول من هو أولى منه بالقبول.

    أما تصحيح الترمذي وابن حبان للحديث فلا يفيد؛ لأنه على فرض التسليم به فلا ينفي الشذوذ أو النكارة؛ فالتصحيح إنما هو للسند فقط، يضاف إلى هذا تقييد الترمذي للحديث بعد روايته، حيث قال بعد ذكره: إن المسح على الجوربين قول غير واحد من أهل العلم: "قالوا: يمسح على الجوربين إذا كانا ثخنين"، وهو ما ذهب إليه الجمهور، وكذلك فقد قيد ابن حبان جواز المسح بوجود النعل مع الجورب، حيث قال في التبويب: "ذكر الإباحة للمرء المسح على الجوربين إذا كانا مع نعلين"، وهو ما ذهب إليه الحنفية.

    وحديث أبي موسى قال فيه أبو داود: "حديث أبي موسى الأشعري ليس بالمتصل ولا بالقوي"، وقال البيهقي: "ليس بالمتصل؛ لأنه من رواية الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى، ولم يثبت سماعه منه، وليس بالقوي؛ لأنه من رواية عيسى بن سنان عن الضحاك وقد ضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم"، وقال الطبراني في "الأوسط" (2/24)، ط. دار الحرمين): "لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به عيسى بن سنان".

    على أن قول البعض بثبوت سماع الضحاك فعلى فرض تسليمه، فالحديث معلول باختلاط عيسى بن سنان.

    أما مناقشة الاستدلال بالحديث فإنه وإن كان الجورب في الحديث مطلقا، إلا أن إفادته العموم في كل ما يقع عليه اسم الجورب يؤخذ به لو كان الحديث قوليا ولم يكن، ولا عموم في الأفعال.

    أما الحديث الثالث فيقول ابن حجر في "الدراية" (ص71)، ط. دار المعرفة): "أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم، وإسناده منقطع وضعفه البيهقي، وقال البخاري: لا يصح".

    أما بيان انقطاعه فإن راشد بن سعد الراوي عن ثوبان لم يسمع منه كما نقل ذلك أبو حاتم عن الإمام أحمد، لكن البخاري في "تاريخه" (3/292)، مصورة دار الكتب العلمية) قال: إنه سمع منه.

    وعلى كل فإنه لا دلالة على جواز المسح على الجورب أصلا لا الرقيق ولا الثخين؛ لأن معنى التساخين الخفاف لا الجوارب، وقد نص على ذلك الخليل في "العين"، وصاحب "المحيط"، وابن سيده في "المخصص"، وابن منظور في "اللسان"، والزبيدي في "التاج"، وابن الأثير في " النهاية".

    وعليه فلا يستقيم استدلال الظاهرية على ما ذهبوا إليه، وإذا بطل استدلالهم فلا يصح المسح على ما عدا الخف إلا إذا تحقق فيه شروط الخف على اختلاف بين الجمهور في عدها، لكنهم متفقون على أن الصفاقة وإمكان متابعة المشي معتبر بلا خلاف، وهو ما لا يتحقق في ملبوس عصرنا أي (الشراب)، فلا يصح المسح عليه.

    وهذا الرأي وإن كان هو الأسعد بالدليل، لكن المسألة تبقى خلافية غير مجمع عليها، ومن المقرر في فقه الخلاف أن لا إنكار في مختلف فيه، فمن كان في حالة اضطرار ولم يجد مندوحة إلا أن يمسح على (الشراب) فلا حرج عليه أن يمسح ناويا تقليد من أجاز، ولا يصح الإنكار عليه.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    المبادئ

    1- اتفق الفقهاء على أن من شروط المسح على الخف: لبسه بعد كمال الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، وأن يكون ساترا لمحل غسل الفرض من الرجلين، وأن يمنع نفوذ الماء إلى القدم، وأن يكون صفيقا قويا يمكن متابعة المشي عليه، وزاد الحنفية شرط التجليد أو التنعيل، ووافقهم المالكية.

    2- بعض الفقهاء أطلق الجواز في المسح على الجورب، والبعض قيده، والبعض قال بالمنع.

    3- الجورب له صفات مغايرة للخف ومغايرة لما يسمى في زماننا بالشراب ولا يصح سحب الخلاف في المسح على الجورب للمسح على الشراب.

    4- لا يصح المسح على ما عدا الخف إلا إذا تحقق فيه شروط الخف على اختلاف بين الجمهور في عدها.

    5- أجاز الظاهرية المسح على كل ما لبس في الرجلين إن كان يحل لبسه، ويبلغ فوق الكعبين، وإن فقد شرط الصفاقة وإمكان متابعة المشي عليه، ويدخل فيه الشراب.

    6- من المقرر في فقه الخلاف أنه لا إنكار في مختلف فيه. فمن كان في حالة اضطرار ولم يجد مندوحة إلا أن يمسح على الشراب فلا حرج عليه أن يمسح ناويا تقليد من أجاز، ولا يصح الإنكار عليه.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 202 لسنة 2011 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة