• ختان الإناث

    سيادة المستشار/معالي وزير العدل -حفظه الله ورعاه-.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد..، فإشارة إلى خطاب معاليكم بشأن ما ورد إليكم من كتاب السيد الأستاذ الدكتور رئيس مجلس الشعب عن السؤال المقدم عن الحملة على ختان الإناث وما يدعى من مخالفتها للقانون والدستور.

    تحريم ختان الإناث في هذا العصر هو القول الصواب الذي يتفق مع مقاصد الشرع ومصالح الخلق، وبالتالي فإن الحملة القومية على هذه الممارسة هو تطبيق أمين لمراد الله تعالى في خلقه، وليس فيها أي مخالفة للدستور أو القانون، كما أنه لا انتهاك فيها لحرمة المال العام، وبيان ذلك على التفصيل التالي:

    أولا: عدم مخالفة الحملة على ختان الإناث للدستور.

    القرار الذي أصدرته وزارة الصحة والسكان المصرية بتاريخ 8/7/1996م بتجريم عمليات ختان الإناث والمعاقبة عليها، وهو القرار رقم 261 لسنة 1996م الذي يقول: "يحظر إجراء عمليات الختان للإناث سواء بالمستشفيات أو العيادات العامة أو الخاصة، ولا يسمح بإجرائها إلا في الحالات المرضية فقط والتي يقرها رئيس قسم أمراض النساء والولادة بالمستشفى وبناء على اقتراح الطبيب المعالج"... هذا القرار ليس فيه أي انتهاك أو مخالفة للمادة (66) من الدستور التي تنص على أنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون"؛ ذلك أن القانون المصري لا يعطي للأطباء الحق في التدخل الجراحي إلا في أربع حالات فقط، وهي: الكشف عن مرض، أو علاج مرض، أو منع ألم قائم أو تخفيفه، أو منع مضاعفات صحية متوقعة.

    وليس ختان الأنثى حالة من هذه الحالات، بل إنه -بعد أن تأكد ضرره- يشمله عموم جريمة "الجرح"؛ سواء شفي الجرح أو خلف عاهة أو أدى إلى وفاة، كما أن ملامسة عورة الصبي أو الصبية اللذين لم يتجاوزا الثامنة عشرة من غيرهما قوة برضا أو بغير رضا يعد "هتك عرض" أيضا، وحينئذ فعلى الرغم من عدم وجود قانون بخصوص ختان الإناث بعينه، إلا أن توصيف هذه الممارسة بأحد الوصفين السابقين يجعل الحملة عليها غير مخالفة للدستور.

    وكم كنا نتمنى ممن يدعي مخالفة هذا القرار للدستور أن يتجشم عناء الاطلاع على حكم المحكمة الإدارية العليا، والذي صدر سنة 1997م ردا على الدعوى التي أقيمت لإلغاء هذا القرار، وجاء نص الحكم كالتالي: "قضت المحكمة بتأييد هذا القرار ورفضت طلب إلغائه؛ تأسيسا على أن ختان الإناث لا يعتبر حقا شخصيا مقررا طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية؛ إذ لم يرد به نص في القرآن الكريم أو حكم قاطع الثبوت أو الدلالة في السنة الشريفة.

    وبذلك تخضع عملية ختان الإناث لأحكام قانون العقوبات التي تحظر المساس بجسم الإنسان إلا لضرورة طبية، وأن قرار وزير الصحة لم يخرج عن هذه القاعدة والتزم بها، ومن ثم لا حاجة لصدور قانون بهذه القواعد العامة المقررة.

    وبهذا الحكم أصبح من المحظور على الجميع إجراء عملية الختان للإناث، حتى لو ثبت موافقة الأنثى أو أولياء أمورها على ذلك، إلا لو كانت هناك ضرورة طبية لإجراء هذه العملية بناء على قرار من مدير قسم أمراض النساء بإحدى المستشفيات، وإلا تعرض المخالفون للعقوبات الجنائية والإدارية والتأديبية".

    وذكرت المحكمة في حيثيات حكمها ما نصه: "وخلصت محكمة القضاء الإداري إلى أن المستفاد من استعراض الآراء الفقهية المتقدمة أن الشريعة الإسلامية لم تتضمن حكما فاصلا أو نصا قطعيا يوجب ختان الإناث أو يحظره، ومن ثم فإن الأحكام التي وردت في هذا الشأن كلها ظنية، وحيث إن الطب أيضا لم يجمع على رأي واحد؛ وإنما ذهب البعض إلى أن ختان الإناث يحقق مصلحة طبية، بينما ذهب البعض الآخر إلى أنه يلحق بهن أشد الأضرار النفسية والطبية، وحيث إن لولي الأمر أن ينظم الأمور التي لم يرد فيها نص شرعي قطعي في كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يرد فيها إجماع، وكذلك المسائل الخلافية التي لم يستقر فيها الفقه على رأي واحد، وبصفة عامة جميع المسائل التي يجوز فيها الاجتهاد، وأن مسلك ولي الأمر في ذلك ليس مطلقا، وإنما يجب أن يكون مستهدفا بتنظيمه تلك المسائل تحقيق مصلحة عامة للناس أو رفع ضرر عنهم بما لا يناهض نصا شرعيا ولا يعاند حكما قطعيا".

    وجاء قرار المحكمة بأنه: لا يمكن اعتبار قرار الوزير مخالفا للدستور، وطالما أن الختان عمل جراحي خلت أحكام الشريعة الإسلامية من حكم يوجبه، فالأصل ألا يتم بغير قصد العلاج؛ فالجراحة أيا كانت طبيعتها وجسامتها التي تجري دون توافر سبب الإباحة بشروطه كاملة تعتبر فعلا محرما شرعا وقانونا؛ التزاما بالأصل العام الذي يقوم عليه حق الإنسان في سلامة جسمه وتجريم كل فعل لم يبحه المشرع يؤدي إلى المساس بهذه السلامة".

    وكان أول نص رسمي صدر في مصر حول ختان الإناث هو القرار الوزاري رقم 74 لعام 1959م، ويتضمن هذا القرار في مادته الأولى كشفا بأسماء لجنة مكونة من 15 عضوا من رجال الدين والطب المسلمين، من بينهم وكيل وزارة الصحة مصطفى عبد الخالق، ومفتي الديار المصرية حسن مأمون، ومفتي الديار المصرية سابقا حسنين محمد مخلوف، وجاء في المادة الثانية أن تلك اللجنة قررت ما يلي - أنه يحرم بتاتا على غير الأطباء القيام بعملية الختان، وأن يكون الختان جزئيا لا كليا، لمن أراد.

    - منع عملية الختان بوحدات وزارة الصحة؛ لأسباب صحية واجتماعية ونفسية.

    - غير مصرح للدايات المرخصات بالقيام بأي عمل جراحي، ومنها ختان الإناث.

    - الختان بالطريقة المتبعة الآن له ضرر صحي ونفسي على الإناث سواء قبل الزواج أو بعده.

    ثانيا: عدم انتهاك هذه الحملة للقانون.

    فإن كون مجمع البحوث الإسلامية هو "الهيئة العليا لبيان الرأي..." لا يستلزم عند المدركين لمعاني الألفاظ أن دار الإفتاء المصرية مثلا -التي هي المرجعية الرسمية المنوط بها إصدار الفتاوى الشرعية وبيان الحلال والحرام بنص قرار المجمع نفسه- ليست هيئة للإفتاء فيما يستجد من أمور الشرع؛ إذ من المعلوم عند أهل اللسان العربي أن (العليا) هنا صفة على وزن "فعلى"، وهي مؤنث "أفعل" التفضيل الذي يدل بمادته على المشاركة كما يدل بصيغته على المفاضلة، ومعنى هذا أن غير المجمع من المؤسسات الدينية المعنية بالفتوى مخول له ما خول للمجمع من إبداء الرأي في الأمور المستجدة، بيد أن المجمع هو الهيئة العليا التي يمكنها التعقيب في ذلك إذا لزم الأمر.

    وهذا أوضح من الواضحات ولا يحتاج إلى مزيد كلام.

    وعلى ذلك جرى تنويه مجمع البحوث الإسلامية في جلسته السادسة، في دورته الثالثة والأربعين، بتاريخ 7/12/1427هـ الموافق 28/12/2006م: بأن دار الإفتاء المصرية هي المرجعية الرسمية المنوط بها إصدار الفتاوى الشرعية وبيان الحلال والحرام، ولا معقب عليها إلا مجمع البحوث الإسلامية -إذا رأى ما يستوجب ذلك- باعتباره المرجعية العليا؛ طبقا لقانون تنظيم الأزهر رقم (103) لسنة 1961م، ولائحته التنفيذية رقم (250) لسنة 1975م.

    وليت شعري ما كان أغنى النائب المحترم والعضو الموقر عن ذلك كله لو أنه تكلف عناء الذهاب إلى مجمع البحوث الإسلامية أو حتى مراسلته بريديا أو إلكترونيا ليطلع على ما قرره المجمع نفسه في شأن ختان الإناث، وحتى يعلم أنه لا المفتي ولا وزير الأوقاف ولا فضيلة شيخ الأزهر يفتون من خلف ظهر (مجمع البحوث) كما يدعي، وحتى يتأكد أن فتاويهم ليست مجرد آراء شخصية... إلى آخر اتهاماته الباطلة التي ضمنها كلامه، ولن يعاني كثيرا في الحصول على بيان مجمع البحوث الإسلامية في شأن ختان الإناث بجلسته بتاريخ 28/6/2007م، ونصه -كما هو مرفق-: "في ضوء الجدل المثار حول ختان الإناث، وموقف الشريعة الإسلامية منه، وفي ضوء ما وقع مؤخرا من وفاة إحدى بناتنا المسلمات نتيجة ممارسة هذه العادة التي ينسبها البعض خطأ إلى تعاليم الإسلام، ناقش مجمع البحوث الإسلامية المسألة من جانبها الفقهي والصحي، وأجمع أعضاؤه على أن التحقيق العلمي يكشف في جلاء عن أنه لا أصل من أصول التشريع الإسلامي أو أحكامه الجزئية يجعل هذه العادة أمرا مطلوبا بأي وجه من وجوه الطلب، وإنما هي عادة ضارة انتشرت واستقرت في عدد قليل من المجتمعات المسلمة، وقد ثبت ضررها وخطرها على صحة الفتيات على النحو الذي كشفت عنه الممارسات في الفترة الأخيرة.

    لذلك وجد المجلس من واجبه أن ينبه إلى هذه الحقيقة العلمية والصحية، وإلى ضرورة تنظيم حملة إرشادية وإعلامية تحذر المواطنين من ممارسة هذه العادة الضارة".

    انتهى بيان المجمع الكريم بإجماع أعضائه، وانتهى عنده كل كلام، وقطعت بذلك جهيزة قول كل خطيب بعد صدور الكلمة الأخيرة الفاصلة من مجمع البحوث الإسلامية الذي "هو المرجعية العليا في بيان الرأي في المشكلات الشرعية المستجدة، مثل ما أن محكمة النقض هي المرجعية العليا في المشكلات القانونية المستجدة" كما هو نص كلام السيد النائب الذي لم يبق له بيان المجمع شيئا يقوله.

    ثم إن ما يظنه العضو الموقر من أن مسألة "ختان الإناث" من المشكلات المستجدة وما يدعيه غيره من أنها أثيرت بعد مؤتمر السكان بالقاهرة هو أمر مخالف للواقع؛ فختان الإناث أثاره الشيخ رشيد رضا في مجلته "المنار" في سنة 1904م، أي قبل إنشاء مجمع البحوث بنحو 60 عاما، حيث سأل الناس حينئذ عن وجوب الختان، فكتب تحت عنوان "وجوب الختان أو سنيته": "قال ابن المنذر: ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع، واحتج القائلون بأنه سنة بحديث أسامة عند أحمد والبيهقي: «الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء»، وراويه الحجاج بن أرطاة مدلس". اهـ.

    وهذا الذي نقله الشيخ رشيد عن الإمام أبي بكر بن المنذر النيسابوري الشافعي (ت: 319هـ) هو ما تقرر عند علماء الحديث؛ فإنه لم يصح في ختان الإناث حديث، وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة لا تقوم بها حجة، ويكفي هنا أن نشير إلى البحث القيم الذي قام به شمس الحق العظيم آبادي في شرحه "عون المعبود في شرح سنن أبي داود"، وكذلك ما بحثه الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار"، والنقل في ذلك عن الإمامين ابن المنذر -كما سبق- وابن عبد البر.

    يقول شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود" (14/126): "وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها كما عرفت.

    وقال ابن المنذر: ليس في الختان -أي للإناث- خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع.

    وقال ابن عبد البر في "التمهيد": "والذي أجمع عليه المسلمون أن الختان للرجال" انتهى، والله أعلم".

    ويقول الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" (1/191): "ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به فهو لا حجة فيه على المطلوب".

    ويقول الإمام ابن الحاج في "المدخل" (3/310): "واختلف في حقهن: هل يخفضن مطلقا، أو يفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب؟"، وانظر: فتح الباري لابن حجر (10/340).

    وكل هذه النقول تبين أنها عادة وليست عبادة، أي أن قضية ختان الإناث ليست قضية دينية تعبدية في أصلها، ولكنها قضية ترجع إلى الموروث الطبي والعادات والتقاليد الاجتماعية.

    ويكفي في ذلك أن نعلم أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يختن بناته الكرام -عليهن السلام-، بينما ورد عنه ختان الحسن والحسين -عليهما السلام-.

    وقبل أن يصدر قرار وزارة الصحة الأول بمنع إجراء عملية الختان للإناث سنة 1959م، قبل ذلك بنحو ثماني سنين، أرسل معالي وزير الصحة المصري في سنة 1951م إلى فضيلة العلامة الشيخ/محمود شلتوت، عضو هيئة كبار العلماء، وأستاذ الشريعة بالأزهر الشريف -والإمام الأكبر فيما بعد- يسأله عن قضية الختان، خاصة ختان الإناث، فيجيبه بجواب في 28/5/1951م ينشره في مجلة الأزهر مجلد 23 عدد المحرم سنة 1371هـ في صفحة 21، ويقول بكل وضوح: "والشريعة تقرر مبدأ عاما، وهو أنه متى ثبت بطريق البحث الدقيق لا بطريق الآراء الوقتية التي تلقى تلبية لنزعة خاصة أو مجاراة قوم معينين أن في أمر ما ضررا صحيا، أو فسادا خلقيا، وجب شرعا منع ذلك العمل؛ دفعا للضرر أو الفساد، وإلى أن يثبت ذلك في ختان الأنثى فإن الأمر فيه على ما درج عليه الناس وتعودوه في ظل الشريعة الإسلامية وعلم رجال الشريعة من عهد النبوة إلى يومنا هذا، وهو أن ختانها مكرمة، وليس واجبا، ولا سنة.

    ثم تكلم كلاما نفيسا بعد ذلك، لكن فيما نقلناه قاعدة مهمة تمثل عقل الفقيه المسلم المتمكن من فقهه.

    وقصة هذا أنه في شهر مايو من ذات السنة أصدرت مجلة الدكتور ملحقا حول ختان البنات، سألت فيه طائفة من الأطباء عن رأيهم وما ينصحون به في هذا الموضوع، فأجمعت كلمتهم على عدم ضرورة ختان البنات، وأشاروا إلى الضرر الذي قد ينجم عن هذه العملية، لكنهم -والحق يقال- أبدوا ذلك على سبيل الرأي، ومجاراة الحضارة، وليس على سبيل المعلومة الطبية المؤكدة.

    وفي مجلة لواء الإسلام في عددها الأول من السنة الخامسة الصادر في شهر يونيو سنة 1951م (رمضان 1370هـ) قامت المجلة بعمل استطلاع لكبار العلماء، فقال الشيخ إبراهيم حمروش عضو جماعة كبار العلماء، ورئيس لجنة الفتوى بالأزهر، بعد كلام طويل يتعلق بسقف المعارف الشائع، والذي يرتد إلى أمور دنيانا، كما أمرنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في قوله «أنتم أعلم بأمور دنياكم»: "يجوز لها ترك الختان، ولكنها في هذه الحالة لم تقم بالمكرمة، فإذا أريد تقرير المنع من ختان المرأة فلا أن يعلم بطريق صحيح أن العلم يثبت أن في ختانها إضرارا بها حتى يمكن القول بالمنع".

    ويقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف، أستاذ الشريعة بكلية الحقوق، بعد كلام طويل: "الذي يجب على الأطباء أن يوسعوا دائرة الاستقراء، وأن لا يحكموا بأن ختان البنت ضار بناء على حالات فردية، وأن يقارنوا من الوجهة الصحية بين من ختنت ومن لم تختن، فإذا تم هذا الاستقراء وكانت النتيجة أن ختان البنت ضار بها ورأوا منعه فهذا المنع لا يعارض نصا في الدين، ولا إجماعا لفقهاء المسلمين".

    ويقول محمد بك البنا، وهو من كبار العلماء أيضا، بعد كلام طويل أشار فيه إلى اختلاف الأطباء، ثم قال: "فإذا اشترك في ذلك عدد أكبر على النحو الذي أبديته -أعني على هيئة مؤتمر- كان البحث أتم وأوفى، والخلاصة أن المسلمين بالخيار من الناحية الدينية، وأن الأمر متروك للمصلحة، ويجب أن يُبحث بحثا كافيا بمعرفة الخبراء".

    وفي المجلد 2 من مجلة الأزهر، في عددها العاشر الصادر في شوال سنة 1372هـ، الموافق 11 يونيو سنة 1953م، يتكلم الشيخ محمد عرفة، رئيس تحرير المجلة وعضو هيئة كبار العلماء، فيقول: "والعلم يرى أنه يضر بالحياة الزوجية، ويؤدي إلى انتشار المخدرات بين الرجال، فإذا ثبت كل ذلك فأمره سهل جدا، فليس على من لم تختتن من النساء من بأس، ومن اختتنت فيجب ألا ينهك هذا العضو منها، وإذا منع في مصر كما منع في بعض البلاد الإسلامية كتركيا وبلاد المغرب فلا بأس. والله الموفق للصواب".

    ويتبين من كل ذلك أن المسألة قديمة، يتكلم عنها الشيخ حسنين محمد مخلوف، والشيخ سيد سابق، ويعيدها الشيخ محمود شلتوت في كتاب الفتاوى الصادر سنة 1959م، ويذكر فيه مرة ثانية أن ختان الأنثى ليس لدينا ما يدعو إليه وإلى تحتيمه، لا شرعا ولا خلقا ولا طبا.

    ويتبين بذلك أن ختان الإناث عند كبار العلماء متعلق بالمعارف الطبية اليقينية، ولما كانت المعارف الطبية السائدة في العصور الأولى بعضها تقول: إنه لا يضر ولا ينفع، وبعضها تقول: إن فيه شيئا من النفع، فقد قال الفقهاء الأقدمون بأنه مكرمة، وهم بذلك ينفون صفة الوجوب والسنية عنه، أي أنه ليس صفة تشريعية، بل هو من العادات، وإذا كان من العادات فإن الأمر فيه مردود إلى الخبراء وإلى البيئة وإلى النفع والضرر المحيط به، فيمتثل فيه الناس لمعارفهم العلمية في كل عصر، وعلى هذا المعنى ورد في كتبنا -نقلا عن الأولين- أنه مكرمة، لا لإقراره، بل لنفي صفة الوجوب وصفة السنية عنه. (كما سبق عن الشيخ محمود شلتوت أيضا)، وفهم بعض الناس من نقلنا عن الفقهاء أنها مكرمة أنها مرغوب فيها، والأمر ليس كذلك، بل كلمة (مكرمة) هنا تكلم بها الفقهاء بناء على المعارف الطبية، وليس بناء على الشريعة الإسلامية؛ حيث إنهم يضعفون الحديث الذي وردت فيه هذه العبارة، ولو استدلوا به لاستدلوا به على أنها ليست من الشريعة في شيء، وهو الحديث الذي رواه أحمد والبيهقي: «الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء».

    والمعارف الطبية أخذت في التطور والرصد للحالات والبحث الدقيق حتى استقرت الآن على الضرر البليغ لختان الإناث فيما هو إجماع بين المتخصصين في هذا الشأن، والطبيب الذي يخالف هذا الإجماع تراه غير متخصص فيه، وتراه يتكلم بطريقة غير علمية، وقد تتعلق بأمر آخر غير العلم من ثقافة سائدة أو ظن أن الشريعة تأمر به فيكون متحرجا أو غير ذلك.

    ومن المعلوم أن الفقهاء ربطوا كلامهم في كثير من المسائل بالأطباء، يقول الإمام الشافعي عندما يتكلم عن كراهة الوضوء بالماء المشمس في كتابه "الأم" (1/7) ط. دار قتيبة: "ولا أكرهه إلا من جهة الطب"، وعندما يتكلمون على مسائل الحيض والنفاس والولادة وغير ذلك من الأمور الصحية المتعلقة بالمرأة فإنهم يرجعون إلى الوجود، ويعنون بالوجود: البحث الطبي، والرصد والتتبع، فقد تقرر أن ما لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة يرجع إلى الوجود، كما في "فتح المنان شرح الزبد لابن رسلان": ص 97، والمتصفح لكلامهم في هذا المعنى يجده كثيرا.

    والمنهج الإسلامي يرشدنا إلى احترام المعرفة وما من الله به على الإنسان من علم، ويأمرنا باحترام السلف وتعظيمهم، ولكن هذا لا يستلزم الأخذ بكل مسائلهم حتى لو تغير واقعها، بل يقتضي الاهتداء بمناهجهم في فهم الشرع، حيث قاموا بواجبهم على منهج علمي رصين يتفق مع ما أذن الله لهم من معرفة، ومن هنا جاء كلامنا عن أن الختان أربعة أنواع: النوع الأول منه يتم فيه نوع من القطع أي الجرح وليس الاستئصال، والأنواع الأخرى يتم فيها الاستئصال، وأن النوع الأول هو الذي أقره الأطباء قديما، والمطلع على كتب سلفنا الصالح يتبين حقيقة ذلك، وأن النوع الأول هو مجرد إحداث جرح في جلدة تكون في أعلى الفرج دون استئصال هذه الجلدة: قال الماوردي: "هو قطع جلدة تكون في أعلى الفرج: كالنواة أو كعرف الديك، قطع هذه الجلدة المستعلية دون استئصالها" انتهى من فتح الباري (10/340).

    وقال النووي في "المجموع" (3/148): "هو قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج".

    ومن هنا يتبين أن المراد من كلامهم هو القطع ومعناه الشق وليس الاستئصال، وهو ما يدل عليه الحديث الضعيف «أشمي ولا تنهكي»، وهذا يحتاج إلى جراح تجميل متخصص في مسألة أصبحت في عصرنا الحاضر بملابساته ضارة على الجسم البشري قطعا، دون حاجة إليها شرعا، وأن الأنواع الثلاثة التالية للنوع الأول إنما هي عدوان يستوجب القصاص أو الدية، وأن الدية فيها تصل إلى دية النفس، في حين أن النوع الأول وهو أخفها إنما هو من العادات المرتبطة بالمعارف الطبية.

    وحيث أجمع الأطباء المتخصصون أهل الفن الكبراء وأطبقت كلمتهم على ضرر هذا الفعل فقد وجب القول بمنعه وتحريمه وتجريمه، وليس في ذلك تجريم لسنة تركها لنا المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- كما يدعي بعضهم.

    ويزداد التحريم عندما نجد أن هذه العادة تمارس بطريقة مؤذية ضارة، بحيث لو لم يكن ختان الإناث حراما لوجب تحريمه سدا للذريعة المفضية إلى الأذى والضرر.

    ومن كل ذلك يتبين أنه يجب على الأطباء أن يعلنوا الحقائق التي قد توصل إليها بالبحث، وبالمؤتمرات العلمية، وبالقرارات التي توصلت إليها منظمة الصحة العالمية، وبما قد أطبق عليه الأطباء المختصون في هذا الشأن الآن، بحيث صار إجماعا بعلم يقيني، كما طالب علماء الشريعة منذ أكثر من نصف قرن، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    ونحن إذ نتبع ما تيقن منه الطب، واستقرت عليه الكلمة، فنحن نتبع هؤلاء العلماء الذين أصلوا لنا الأصول وتركونا على المحجة البيضاء، والحمد لله رب العالمين.

    ويعترض بعضهم أن بعض علماء الشريعة الكبار -كالشيخ جاد الحق على جاد الحق، والشيخ عطية صقر -رحمهما الله وبارك فيهما وفي علمهما- في سنينا المتأخرة أصدروا الفتاوى بأنه سنة أو واجب، وأقول بكل ثقة: إن ذلك منهم كان استمرارا على المنهج الذي يرفض محض الآراء والتقليد للآخرين، وأن نترك شيئا من موروثنا من أجل هذه الآراء أو الرغبات أو ذلك التقليد، أما لو اطلع أي منهم على تلك الأبحاث المتكاثرة وهذا الاتفاق الذي أطبق عليه فإنهم يرجعون إليه كما علمونا. فالأمر في غاية الوضوح.

    وإنما كان استمرار هذه العادة عند عدم ظهور ضررها، أما وقد ظهر ضررها وقرره أهل الطب وأجمعوا عليه فمنعها حينئذ واجب؛ حيث أقر ذلك منظمة الصحة العالمية، في تقريرها سنة 2000م، وجرمت هذه العادة الضارة، وهي منظمة محايدة وعلمية موثوق بها، فحدوث الأضرار منها أصبح يقينيا؛ لاختلاف الملابس وضيقها، وانتشار أساليب الحياة الحديثة وسرعتها، وتلوث البيئة، واختلاف الغذاء والهواء ونمط الحياة، وتقدم الطب الذي أثبت الضرر قطعا، بل واختلاف تحمل الجسد البشري للجراحات ونحو ذلك.

    ولما أحال كبار العلماء الأمر إلى الأطباء، وجزم الأطباء بضررها، أصبح من اللازم القول بتحريمها.

    يقول الدكتور يوسف القرضاوي في بحثه المقدم عن الحكم الشرعي في ختان الإناث: "والمباحات يمكن أن تمنع إذا ترتب على استعمالها ضرر؛ بناء على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، ويمنع هذا المباح سدا للذريعة والفساد".

    ويقول أيضا: "وبناء على هذا الأصل المقرر المتفق عليه (يقصد إبقاء خلق الله تعالى على ما خلقه وعدم تغييره) يكون ختان المرأة أو خفاضها بقطع جزء من جسمها بغير مسوغ يوجبه: أمرا غير مأذون به أو محظورا شرعا".

    ويقول الدكتور/محمد لطفي الصباغ في رسالته التي ألفها في هذا الشأن: "الأحاديث الواردة فيه لم يصح منها شيء يدل على الوجوب"، ثم يقول بعد أن سرد بعض الأضرار الصحية التي ذكرها الأطباء للختان: "إذا تحققت هذه الأخطار من جراء ختان الأنثى لم يعد هذا الختان مقبولا شرعا بالنسبة للفتاة؛ لأنه لم يصح فيه شيء عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وفيه من الأخطار ما ذكرنا، ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقرر فيما صح عنه أنه «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا الحديث كلية من كليات هذا الدين الحنيف".

    ويذهب الدكتور/سليم العوا إلى أن حكم الشرع في ختان الأنثى أنه لا واجب، ولا سنة، ولا مكرمة؛ لضعف جميع ما ورد في ذلك، بل هو عادة، وهو عادة ضارة ضررا محضا، وقد أوجب الفقهاء إذا فاتت بسببه -على ما يجري الآن في بلادنا في جميع حالات الختان- متعة المرأة بلقاء الرجل أوجبوا فيه القصاص أو الدية... إلى غيرهم من العلماء والباحثين ممن يضيق المقام عن تتبعهم.

    وعلى الذين يعاندون في هذا أن يتقوا الله -سبحانه وتعالى-، وأن يعلموا أن الفتوى تتصل بحقيقة الواقع، وأن موضوع الختان قد تغير وأصبحت له مضار كثيرة: جسدية ونفسية؛ مما يستوجب معه القول بحرمته والاتفاق على ذلك، دون تفرق للكلمة واختلاف لا مبرر له، فيجب أن تطبق كلمة العلماء الشرعيين على تحريم هذه الفعلة؛ حيث إننا نصحنا الفقهاء بالبحث منذ أكثر من خمسين سنة، فبحثوا وأجمعوا، ونصحناهم بالمؤتمرات فاجتمعوا وقرروا، ونصحناهم بالاتفاق لا عن آراء ولا عن تقليد وإنما عن بحث وتتبع فبحثوا وتتبعوا واتفقوا، فوجب على العلماء حينئذ أن يزيلوا هذا الالتباس، وأن يجتمعوا على كلمة سواء؛ فإن الأمر لا يحتاج إلى كثير اختلاف بعدما تبين الحال، والمطلع على حقيقة الأمر لا يسعه إلا القول بالتحريم.

    إن هذا الدين هو كلمة الله الأخيرة إلى العالمين، وليس هو لنا وحدنا، ولا يقتصر على سقفنا المعرفي وحده، بل خاطب الله به عباده جميعا، فهو صالح لكل زمان ولكل مكان ولكل الأشخاص وفي كل الأحوال، بل ولكل سقف معرفي يمكن أن يصل إليه البشر، ونحن مأمورون أن نبلغ الإسلام كما أنزله الله تعالى وأراده؛ ظنيا في ظنيه وقطعيا في قطعيه، وأن نعلم الناس كيف يحبون ربهم -سبحانه وتعالى- بما أنعم عليهم من صنوف العلم وفنون المعرفة التي تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضر، فالإسلام أوسع منا ومن مذاهبنا ومن بيئاتنا ومن تقاليدنا وعاداتنا، وما قد يصلح لنا قد لا يصلح بالضرورة لغيرنا، فكيف وقد أصبح الأمر لا يصلح لنا ولا لغيرنا، فلا يجوز لنا حينئذ أن نكون حجابا بين الخلق والخالق، ولا أن نجعل أنفسنا سببا في فتنة الناس عن قبول الإسلام ونشر تعاليمه، ولا أن نقف حجر عثرة أمام العلوم والمعارف التي يأذن بها الله تعالى للبشر حينا بعد حين، إما بسوء الفهم أو سوء التصرف.

    ثالثا: عدم إهدار هذه الحملة للمال العام.

    وإذ تقرر ذلك كله فإن ما يتم إنفاقه في هذه الحملات لمحاربة هذه العادة السيئة التي ثبت ضررها وتأثيرها السلبي للعام والخاص لا يكون حينئذ من باب إهدار المال العام في شيء، إنما هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله تعالى به، وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس.

    والله سبحانه وتعالى أعلم.

    بتاريخ: 6/10/2007

    المبادئ

    1- تحريم ختان الإناث في هذا العصر هو القول الصواب الذي يتفق مع مقاصد الشرع ومصالح الخلق.

    2- قضية ختان الإناث ليست قضية دينية تعبدية في أصلها، ولكنها قضية ترجع إلى الموروث الطبي والعادات والتقاليد الاجتماعية.

    3- من القواعد المقررة شرعا أنه لا ضرر ولا ضرار.
     

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 4340 تاريخ النشر في الموقع : 15/12/2017

    المفتي: علي جمعة محمد
    تواصل معنا

التعليقات