• دفع الموكل بصرف الزكاةِ الزكاةَ لغير من خصصهم المزكي

    ما حكم دفع الموكِّل بصرف الزكاةِ الزكاةَ لغير من خصصهم المزكي؟

    توطئة:

    لقد أولى الإسلام فريضة الزكاة عناية كبيرة؛ لما لها من مكانة تعبُّدية؛ فهي الركن الثالث من أركان الإسلام، ونظرًا لأهميتها فإنه فصَّل في أحكامها؛ فبيَّن أركانها وشروطها، وحدَّد مصارفها.

    وقد ندب الإسلام من وجبت فريضة الزكاة في أموالهم أن يبادروا إلى إخراجها لمستحقيها بأنفسهم؛ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وتحقيقًا لمبدأ التكافل والتحابب والتوادد بين أفراد المجتمع، إلا أن المزكي قد تعتريه أحوال يتعذر معها إخراج الزكاة بنفسه؛ كوجوده في مكان لا يعلم فيه من الفقراء مَن يستحق الزكاة، أو وجوده في بلد ومالُه الذي وجبت فيه الزكاة في بلد آخر، أو غير ذلك من الأعذار؛ فجاز له أن يوكَّل غيره ليدفع زكاة المال إلى مستحقيها؛ شريطة أن يكون إخراج الوكيل للزكاة بعلم صاحب المال ورضاه.

    المسألة: دفع الوكيل في الزكاةِ الزكاةَ لغير من خصصهم الموكِّل.

    وهذه المسألة مما لم يتناوله الفقهاء بالبحث والدراسة عند الحديث عن مسائل الزكاة، ولم يخصصوا لها ذكرًا في باب الوكالة أيضًا؛ إلا أن المستقرئ لكتبهم يرى أن كلامهم حول مخالفة الوكيل لنص الموكِّل يتركز في مباحث المعاملات؛ معتبرين ذلك أصلًا لغيره من صور مخالفة الوكيل لما نص عليه الموكل في الأبواب الفقهية الأخرى.

    أقوال الفقهاء:

    اتفق الفقهاء على اختلاف مذاهبهم أن الوكيل يتقيَّد بما قيَّده به الموكِّل؛ فيراعي القيد ما أمكن؛ سواء كان القيد يتعلَّق بالأشخاص، أو المحَلِّ، أو الجنس؛ فإذا خالف الوكيل؛ فإنه لا يُلزِم الموكِّل بتصرفه، وكان ضامنًا بسبب تعدِّيه؛ ويكون للموكِّل الخيار بين إمضاء تصرُّفه، أو ردِّه؛ فإن كانت مخالفة الوكيل لمقتضى القيد تصبُّ في مصلحة الموكِّل، أو لم يكن للموكِّل غرضٌ صحيح من التقييد؛ فإن تصرُّف الوكيل يكون نافذًا.

    وإليك أقوال كل مذهب من المذاهب في هذه المسألة:

    أولًا: مذهب الحنفية: جاء في مجلة الأحكام ما نصُّه: (إذا قُيِّدت الوكالة بقيدٍ فليس للوكيل مخالفته، فإن خالف لا يكون شراؤه نافذًا في حق الموكِّل، ويبقى المال الذي اشتراه له، ولكن إن خالف لصورة فائدتها أزيد في حق الموكِّل فلا تُعد مخالفة معنى...)[1].

    ويقول الكاساني: (فالتَّوكيلُ بالبيع لا يخلو إما أن يكون مُطلقًا وإما أن يكون مُقيَّدًا، فإن كان مقيَّدًا يُراعى فيه القَيدُ بالإجماع، حتَّى إنه إذا خالف قيده لا يَنفذ على المُوَكِّل ولكن يتوقف على إجازته؛ إلا أن يكون خلافه إلى خيرٍ؛ لما مَرَّ أن الوَكيل يتصرَّف بولايةٍ مستفادةٍ مِنْ قِبَلِ المُوَكِّلِ، فَيَلي مِنَ التَّصرفِ قَدْرَ ما وَلَّاه، وإن كان الخلافُ إلى خيرٍ فإنّمَا نَفَذَ لأنَّهُ إنْ كان خلافًا صُورَةً فهو وِفَاقٌ مَعنًى؛ لأنَّه آمرٌ به دلالةً، فكان متصرِّفًا بتَوْلِيَة المُوَكِّلِ فَنَفَذَ)[2].

    ثم قال: (وأما الوكيل بالشراء، فالتَّوكيل بالشِّراء لا يخلو إما إن كان مُطلقًا أو مُقيَّدًا، فإن كان مُقيَّدًا يُراعى فيه القيد إجماعًا؛ لما ذكرنا، سواء كان القيد راجعًا إلى المشتري أو إلى الثمن، حتى إنه إذا خالف يَلزم[3] الشِّراء، إلا إذا كان خِلافًا إلى خير، فيَلزم المُوَكِّل)[4].

    ويقول علي حيدر: (إذا قُيِّدت الوكالة فليس للوكيل المخالفة في الجنس على الإطلاق، وفي القَدْر والوصف إلى شرٍّ، سواء أكان ذلك العقد راجعًا إلى الثمن أم إلى المشتري)[5].

    ثانيًا: مذهب المالكية: قال الخرشي: (الوكيل على بيع إذا خالف ما أمره به المُوكِّل أو ما قضت العادة به، فإن موكِّله يُخيَّر في إجازة البيع والرد إن كانت السلعة قائمة)، ثم قال: (وليس مطلق المخالفة يوجب خيارًا، وإنما يوجبه مخالفة يتعلق بها غرض صحيح)[6].

    وقال في الدسوقي: (لا يتجاوز الوَكِيل ما وُكِّلَ عليه، سواء كان مُعيَّنا بالنَّص أو مُخصَّصًا، أو مُقيَّدًا دَالُّهُ بالعُرْف)[7].

    ثالثًا: مذهب الشافعية: يقول الشيرازي: (وإن وكَّله في البيع من رجلٍ، لم يجز أن يبيع من غيره؛ لأنه قد يؤثر تمليكه دون غيره، فلا يكون الإذن بالبيع منه إذنًا في البيع من غيره)[8].

    وقال النووي: (لا يجوز أن يبيع الوكيل على غير المعين، وإن رغب بزيادة ثمن المثل الذي دفعه المعين؛ لأنه لا عبرة بهذه الزيادة لامتناع البيع لدافعها، ووجه تعيينه أنه قد يكون للموكل غرض في تخصيصه؛ كطيب ماله، بل وإن لم يكن له غرض أصلًا[9]، عملًا بإذنه)[10].

    وقال الشربيني: (واعلم أن للوكالة أربعة أحكام؛ الأول: الموافقة في تصرف الوكيل المقتضي اللفظ الصادر من الموكل أو القرينة)[11].

    ثم قال معللًا ومقيدًا المنع: (أما الشخص فلأنه قد يقصد تخصيصه بتلك السلعة، وربما كان ماله أبعد عن الشبهة. نعم إن دلت قرينة على إرادة الربح وأنه لا غرض له في التعيين إلا ذلك فالمتجه -كما قال الزركشي- جواز البيع من غير المعين)[12].

    رابعًا: مذهب الحنابلة: يقول ابن أبي عمر في شرحه: (إن عيَّن له المشتري فقال: بعه فلانًا، لم يملك بيعه لغيره بغير حلاف علمناه، سواء قدَّر له الثمن أو لا؛ لأنه قد يكون له غرض في تمليكه إياه دون غيره، إلا أن يعلم بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري)[13].

    وقال ابن مفلح: (وإن قال: بعه لزيد، فباعه من غيره، لم يصح بغير خلاف نعلمه؛ لأنه قد يقصد نفعه، فلا تجوز مخالفته)[14].

    وقال البهوتي: (وإن قال الموكل: بعه من زيد، فباعه الوكيل من غيره لم يصح البيع؛ للمخالفة، لأنه قد يقصد نفعه، فلا تجوز مخالفته. قال في المغني والشرح، إلا أن يعلم بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري)[15].

    أدلة الأقوال:

    استدل الجمهور على عدم إجازة تصرف الوكيل في الوكالة المقيدة بخلاف ما قيّده به الموكِّل بما يلي:

    1) أن الموكِّل قد يكون له غرض من تمليك الشخص المنصوص عليه دون غيره؛ فيكون الإذن بتمليكه ليس إذنًا بتمليك غيره[16].

    2) الإجماع على أن الوكالة إذا كانت مقيَّدة فيراعي الوكيل قيد موكِّله؛ لأنه لا يملك التصرف بملك الغير إلا بمقتضى إذن الموكِّل، وهو لم يرض بخروج ملكه على ذلك الوجه؛ فإن تصرَّف بخلاف ما أذن به كان متعدِّيًا وتوقف الحكم على إجازة الموكِّل لتصرُّفه؛ فإن أجازه مضى، وإلا كان الوكيل ضامنًا[17].

    3) أما إذا خالف الوكيل قيد الوكالة لغرض صحيح، أو لفائدة الموكِّل؛ فإنما صح تصرفه؛ لأن ما أراده الموكِّل متحقق في تصرف الوكيل معنىً وإن خالفه صفة[18].

    وقد اعترض عليه: بأنه قد يكون للموكِّل غرض لم يطلع عليه الوكيل؛ فيكون مخالفًا لإذن الموكِّل وقصده[19].

    ويجاب عنه بأن: تصحيح تصرُّف الوكيل حال مخالفته مقتضى قيد الوكالة؛ إنما يكون إذا دلَّت القرينة أو صرَّح بأن لا غرض له من التقييد، لا على إطلاقه؛ لاحتمال أنه لم يطلع على غرض الموكِّل من التقييد، فيكون تصرفًا بغير إذن صاحب الحق.

    الخاتمة:

    بعد هذا العرض لأقوال المذاهب وأدلتهم يتبين الآتي:

    1) أن الموكَّل بدفع الزكاة يجب عليه أن يدفعها إلى من عيَّنهم الموكِّل، ولا يجوز له مخالفة مقتضى الوكالة؛ لأن الموكِّل قد يكون له غرض من قصد تخصيص المعيَّنين بتلك الزكاة، فإن دلَّت القرينة أو صرَّح الموكِّل بإن لا غرض له من التقييد أو التخصيص؛ صحَّ تصرُّف الوكيل إذا كان في مصلحة الموكِّل.

    2) إذا تصرَّف الوكيل بخلاف مقتضى الوكالة؛ فصرف الزكاة إلى غير مَن قصد الموكِّل تعيينهم؛ توقف تصرفه على إجازة الموكِّل؛ فينفذ تصرفه إذا أجازه، وإلا كان ضامنًا.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

     

    [1] مجلة الأحكام العدلية (المادة: 1479).
    [2] بدائع الصنائع (6/27).
    [3] أي: يلزم الوكيل المشترى. انظر: الفتاوى الهندية للشيخ نظام وجماعة (3/574).
    [4] بدائل الصنائع (6/29).
    [5] درر الحكام (3/604).
    [6] شرح الخرشي على مختصر خليل (6/74).
    [7] حاشية الدسوقي (3/381).
    [8] المهذب للشيرازي (1/352).
    [9] اختلف الشافعية في صحة تصرف الوكيل بخلاف قيد الموكل إذا لم يكن له غرض ظاهر على وجهين: الأول: أنه يصح تصرفه، وهو اختيار الغزالي، والقاضي أبي حامد، والزركشي. الثاني: أنه لا يصح تصرفه؛ لأنه ربما يكون له فيه غرض لا يطلع عليه. وصححه ابن القطان، وصاحب التهذيب، والماوردي، والرافعي. انظر: روضة الطالبين، للنووي (3/546، 547)، العزيز شرح الوجيز للرافعي (5/238)، مغني المحتاج (2/227).
    [10] روضة الطالبين (3/93).
    [11] مغني المحتاج للشربيني (2/223).
    [12] مغني المحتاج (2/227)، وانظر أيضًا (2/229).
    [13] الشرح الكبير على المقنع (5/236).
    [14] المبدع شرح المقنع: (4/375).
    [15] كشاف القناع (3/480).
    [16] انظر: المبسوط (19/269)، المهذب (1/352)، مغني المحتاج (2/227)، الشرح الكبير على المقنع (5/236)، المبدع (4/375).
    [17] انظر: بدائع الصنائع (6/27)، حاشية ابن عابدين (2/269)، إعانة الطالبين (3/93)، مغني المحتاج (2/229)، الشرح الكبير على المقنع (5/236).
    [18] انظر: بدائع الصنائع (6/27)، مجلة الأحكام العدلية (المادة: 1479).
    [19] انظر: العزيز شرح الوجيز (5/238).

    المُنتقَى من المسائل العلمية

    رقم الفتوى: 5 تاريخ النشر في الموقع : 26/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة