• الاتجار بالأسهم

    نظرًا لكوننا إحدى الشركات الاستثمارية الوطنية، فقد بدأنا بالاتجاه نحو تقديم خدمة الاستثمار حسب الشريعة الإسلامية لصالح عملائنا؛ عن طريق إدارة أموالهم نيابة عنهم في أسواق الأسهم أو ما يسمى بالبورصات.

    ونظرًا لذلك التوجه نود الاستفسار عما يأتي:

    1- نوعية الشركات الممكن شراء وبيع -تداول- أسهمها.

    2- هل من الجائز شراء أسهم الشركات التي قامت بالاقتراض من البنوك الربوية؟

    الشركات المساهمة باعتبار ما تتعامل فيه نوعان:

    النوع الأول: الشركات التي يكون مجال عملها محرمًا كالشركات التي تُصنِّع أو تتاجر فيما حرّم الله تعالى صنعه أو المتاجرة أو التعامل فيه -كتصنيع الخمور والمخدرات- أو تتعامل بالربا، هذا النوع من الشركات يحرم شرعًا تداول أسهمها بيعًا أو شراءً أو غيرهما.

    النوع الثاني: الشركات التي يكون مجال عملها حلالًا شرعًا، ويشمل هذا النوع الشركات التالية:

    أ) الشركات التي يكون رأس مالها كله أصولًا ثابتة -مصانع أو عقارات أو آلات أو مزارع أو غير ذلك مما أحل الله الانتفاع به- ولا تتعامل بالربا، وهذا النوع من الشركات يجوز شرعًا تداول أسهمها شراءً وبيعًا أو غيرهما.

    ب) الشركات التي يكون رأس مالها كله نقودًا، ولا تتعامل بالربا، هذه الشركات يجري على تداول أسهمها بيعًا وشراءً ما يجري على بيع النقود بالنقود -عقد الصرف- فلا بد لصحة عقد بيع أسهمها أو شرائها ما يأتي:

    (1) تقابض البدلين في مجلس العقد، سواء أكان البدلان من جنس واحد (كالدنانير بالدنانير) أم من جنسين مختلفين (كالدنانير بالدولارات).

    (2) التماثل بين البدلين إذا كانا من جنس واحد من النقود، فلا يصح بيع دينار بدينارين، كما لا يصح تأخير قبض أحد البدلين عن قبض الآخر بعد انتهاء مجلس العقد كما بينا آنفًا، أما إذا اختلف جنس البدلين، كالدنانير بالدولارات، فإنه يجوز التفاضل مع وجوب التقابض في المجلس، فيصح بيع دينار بأربعة دولارات إذا تم التقابض في مجلس العقد.

    فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ... مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رواه مسلم[1].

    فإذا تحققت هذه الضوابط عند البيع والشراء جاز شراء أسهم هذه الشركات وبيعها، وإذا لم تتحقق كان العقد عليها باطلًا وغير مشروع، ومن ثم فلا يصح تداول أسهمها بيعًا أو شراءً.

    جـ) الشركات التي يكون رأس مالها أصولًا ثابتة ونقودًا، ولا تتعامل هذه الشركات بالربا، اختلف الفقهاء في بيع وشراء أسهم هذا النوع من الشركات، فيرى جمهور الفقهاء تحريمه، لما روي عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز وذهب تباع بتسعة دنانير، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» وفي رواية: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ» أخرجه مسلم[2]، ولأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين يؤدي إلى توزيع ما في الآخر عليهما بالقيمة، والتوزيع يؤدي إلى المفاضلة أو الجهل بالمماثلة، وكلاهما يبطل العقد.

    ويرى الحنفية ومن وافقهم (حماد بن أبي سليمان، والشعبي، والنخعي) أنه يجوز هذا البيع إذا كان الربوي المفرد أكثر من الذي معه غيره، بأن كان مع كل واحد منهما من غير جنسه؛ لأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد، فيجعل الربوي في مقابلة قدره من الربوي الآخر، ويجعل الزائد في مقابلة ما زاد عن القدر المماثل.

    ويجري حكم الصرف على النقود وما يقابلها من النقود، لأن الجمع بين النقود وغيرها في البيع لا يخرج النقود عن كونها صرفًا بما يقابلها من الثمن.

    والأصل عند الحنفية أنه إذا بيع نقد مع غيره، بنقد من جنسه شُرِط زيادةُ الثمن، فلو كان مثله أو أقل، أو جُهل بطل البيع، ولو بيع بغير جنسه شُرِطَ التقابضُ فقط. والأخذ برأي الحنفية أيسر [ابن عابدين (ج2/237-238].

    د) الشركات التي تتعامل فيما أحل الله تعالى التعامل فيه، غير أنها اقترضت بالربا، أو أودعت بعض أموالها في البنوك الربوية، وتقاضت عليها فوائد ربوية، هذه الشركات يجوز شراء أسهمها وبيعها، إذا دفعها إلى الاقتراض أو الإيداع ضرورةٌ (بأن كانت الشركة إن لم تفعل ذلك انهارت أو قاربت) أو حاجةٌ تنزل منزلة الضرورة (بأن كانت إن لم تقدم على ذلك وقعت في شدة وعسر يقوض نشاطها...) والضرورة وما ينزل منزلتها تقدّر بِقَدْرها، أما إذا لم تكن ضرورة أو حاجة منّزلة منزلة الضرورة شرعًا فلا يجوز تداول أسهمها بيعًا وشراءً.

    هـ) أسهم شركات التأمين غير التعاوني: لما كان عقد التأمين من العقود المستحدثة، فقد اختلف العلماء المعاصرون؛ فذهب بعضهم إلى تحريم هذا النوع من الشركات لما يكتنف عملها هذا من الربا والغرر والجهالة، وكل ذلك يبطل عقود هذه الشركات، ولذلك لا يجوز تداول أسهم هذه الشركات بيعًا أو شراءً أو غيرهما.

    ويرى البعض -وهو ما أخذت به اللجنة في فتواها السابقة- جواز التأمين التجاري على غير الحياة، ما لم يوجد شركات تأمين تعاوني، فإذا كان عمل الشركة مقتصرًا عليه فلا مانع من تداول أسهم هذه الشركات بيعًا أو شراءً أو غيرهما، وإلا لم يجز.

    والله أعلم.

    1) البخاري (رقم 2175)، ومسلم (رقم 1587) دون لفظة (والفضل ربا)؛ ففي مسند أبي عوانة (3/389).

    2) رقم (1591).

    الدرر البهية من الفتاوى الكويتية

    رقم الفتوى: 1656 تاريخ النشر في الموقع : 28/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة