• تكفير الحج الذنوب

    أفيدونا عن الحج المبرور هل يكفر جميع الذنوب الكبائر والصغائر حتى التبعات أم يكفّر البعض ويبقى البعض؟ وعن أصح الأقاويل والنصوص فيه؛ لأن بيننا خلافًا في ذلك؟

    الأصل في القول بالتكفير حديث أحمد والشيخين وأصحاب السنن ما عدا أبا داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ»، وحديث أحمد والشيخين وغيرهم عنه: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وفي رواية للترمذي: «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، قال الترمذي: هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحق الله لا العباد، ولا يسقط الحق نفسه بل من عليه صلاة يسقط عنه إثم تأخيرها لا نفسها، فلو أخَّرها بعد ذلك تجدد إثم آخر. وقال ابن عبد البر: إن الذي يكفَّر هو الذنوب الصغائر.

    وقال الطبري: هو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها؛ أي: فمن كان عليه حق لأحد فإنه لا يكفّره عنه إلا العجز عن أدائه مع نية الأداء عند القدرة. وقالوا: إن الحج المبرور هو المقبول، والذي جاء على الوجه الأكمل باستيفاء الأعمال البدنية والقلبية ومن ذلك أن يكون المال الذي ينفقه حلالًا. وأنشدوا:

    إذا حججت بمال أصله دنس ...   فما حججت ولكن حجّت العِير

    لا يقبل الله إلا كل طيبة  ...  ما كل مَن حج بيت الله مبرور

    وإذا بحثنا في معنى التكفير وسره يتيسر لنا أن نفهم أن قول هؤلاء الأئمة هو المعقول، وأن قول بعض المتأخرين: إن الحج يكفّر التبعات والموبقات، ويسقط الحقوق فاسد مخالف لأصول الدين وقواعد الشريعة؛ ذلك أن الكلام الإلهي والهدي النبوي يدلان على أن الذنوب تدنس الأرواح وتُدَسِّيها، وأن الأعمال الصالحة تطهرها وتزكيها، وأن تكرار السيئات يُحدث في النفوس ظلمات معنوية إذا كثرت ترين على القلوب؛ أي: تغطيها حتى لا تعود تتأثر بالذكرى والموعظة، وأن من أحاطت به سيئة بمثل هذا التكرار، كان خالدًا في النار، وأن من تدارك الذنب بالتوبة والعمل الصالح الذي يكون أثره في النفس مضادًّا لأثر ذلك الذنب يغفر له ويكّفر عنه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى[٨٢]﴾ [طه: 82].

    والحج المبرور الذي لا رفث فيه ولا فسوق أي: الذي ليس فيه كلام فاحش ولا خروج عن آداب الشريعة وحدودها، هو توبة نصوح وإيمان وعمل صالح له في النفس أكبر الآثار في إصلاحها لما فيه من الانقطاع عن الأهل والوطن والأعمال الدنيوية والإقبال على الله تعالى بزي الأموات، وإحياء شعائر أعظم المرشدين، والوقوف في مواقف أفضل المرسلين، والتذكر بتقلبهم في تلك المعاهد المقدسة تعبدًا لله تعالى، وتقربًا إليه وخضوعًا خالصًا لجلاله، لا حظّ للنفس فيه.

    فمن حج مثل هذا الحج المبرور، واستغرق قلبه بمثل هذا الإحساس والشعور، رُجي أن يُمحَى ما كان عَلِقَ بنفسه من آثار الذنوب الماضية أو تغلب تلك الظلمة بهذا النور.

    وعند ذلك تنبعث النفس إلى حسن الطاعة، والاستقامة على طريق الهداية، فتعمد إلى أداء ما عليها من الحقوق لله وللناس بقدر الاستطاعة، فيصح أن يقال إنها ولدت ولادة جديدة؛ لأنها دخلت في دور من الحياة جديد، وأن يقال: إن السيئات الماضية قد كفرت وغفرت؛ لأن الغفر والتكفير بمعنى تغطية الشيء وقد غطيت تلك الظلمة الماضية وسترت بهذا النور الحاضر.

    وأما مَن يتوهم أن التكفير والمغفرة عبارة عن أجرة الحركات البدنية في السفر إلى مكة والطواف والسعي والوقوف في تلك المعاهد، وأن مثالها مثال من أفسد في حرث غني ونسله فكلفه بعمل شاق في مقابلة ذلك الإفساد، وجعل هذا في مقابلة ذاك، فهو الذي يجهل الدين ويرى أن الله ينظر إلى حركات الأبدان دون إصلاح النفوس والأرواح.

    ولو كان الأمر كذلك لكان كل مَن أدى أعمال الحج الظاهرة مقطوعًا له بالمغفرة، ولكان للمغرور أن يترك الفرائض، وينتهك المحارم، ويتوغل في المظالم، ثم يسافر إلى تلك البلاد ويأتي بتلك الحركات، ويعتقد أن قد سقطت عنه جميع الحقوق والتبعات. وقد قالوا: إن للحج المبرور الذي يكفر السيئات علامات جِماعها الاستقامة بعده.

    قال الإمام الغزالي في آخر كتاب الحج من الإحياء بعد ذكر أعمال القلب فيه ما نصه: «فإذا فرغ منها فليلزم قلبه الحزن والهم والخوف، وأنه ليس يدري أقُبِلَ حجه وأُثبت في زمرة المحبوبين، أم رُد حجه وألحق بالمطرودين، وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله؛ فإن صادف قلبه قد ازداد تجافيًا عن دار الغرور، وانصرافًا إلى دار الأنس بالله تعالى، ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع فليثق بالقبول فإن الله تعالى لا يقبل إلا من أحبه، ومن أحبه تولاه وأظهر عليه آثار محبته، وكفّ عنه سطوة عدوه إبليس لعنه الله. فإذا ظهر ذلك عليه دل على القبول، وإن كان الأمر بخلافه فيوشك أن يكون حظه من سفره العناء والتعب نعوذ بالله من ذلك» اهـ[1].


    [1] المنار ج6 (1903) ص857.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 21 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة