• دور الأئمة الأربعة في خدمة الإسلام

    الأشخاص الذين يدور السؤال حولهم هم: الشافعي وأبو حنيفة ومالك وابن حنبل .

    أولاً: أين يقع هؤلاء الأشخاص وبأي منزلة نفعهم، هل هم علماء أم أئمة؟

    ثانيًا: أي دور قاموا به في خدمة تعاليم الإسلام؟

    ثالثًا: هل هم جديرون بالاحترام باعتبار أنهم على معرفة بقدر وافر عن العقيدة الإسلامية؟

    رابعًا: إذا ما اتبعت أحدًا منهم قولاً أو عملاً هل تعتبر شخصًا منحرفًا عن الطريق المستقيم؟

    خامسًا: أحيانًا تجدهم يختلفون في الرأي علام ينطوي هذا الموقف.

    سادسًا: ماذا يصنع بشخص يسبهم أو تعاليمهم؟

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد:

    أولاً: أبو حنيفة هو: النعمان بن ثابت التيمي مولى بني تيم الله بن ثعلبة ، ولد عام 80 هـ ومات عام 150 هـ. ومالك هو: ابن أنس بن مالك بن أبي عامر الحميري الأصبحي ، ولد عام 93 هـ ومات عام 179 هـ. والشافعي هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي المطلبي، ولد عام 150 هـ ومات عام 204 هـ. وابن حنبل هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي ، ولد عام 164 هـ   ومات عام 241 هـ رحمهم الله تعالى. هؤلاء الأجلاء نشأوا في الإسلام، وعاشوا في خير القرون، القرون الثلاثة التي شهد النبي صلى الله عليه وسلم بأنها خير القرون، واشتغلوا بالعلم منذ حداثة أسنانهم، فدرسوا كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرة الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة رضي الله عنهم، وتاريخ من سبقهم ومن عاصرهم من خيار الأمة الإسلامية، وأخذوا عنهم العلوم الإسلامية، واجتهدوا فيها طاقتهم، حتى نبغوا وصاروا من أعلام العلماء، وورثة الأنبياء علمًا وبلاغًا، ومن أئمة الهدى نصحًا للأمة وإرشادًا، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر.

    ثانيًا: مما تقدم يتبين أنهم قاموا بدور مهم في خدمة الإسلام، دراسة لعلومه، وفهم أحكامه -أصوله وفروعه- واستنباطها من مصدرها الصحيح، ومنبعها الصافي: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قاموا بنشر علومه بين المسلمين؛ فاستنارت بهم الأمة في شئون دينها ودنياها، ونهضت في ثقافتها علمًا وخلقًا، وازدهرت بهم الحياة، فكانت خير أمة أخرجت للناس، إيمانًا وإخلاصًا، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة، وجدالاً بالتي هي أحسن. رحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

    ثالثًا: بما آتاهم الله من العلم والهدى، وما حباهم به من حسن القيادة في سياسة الأمة - راعيها ورعيتها - نصحًا وإرشادًا كانوا جديرين بالتوقير والاحترام، وإنزالهم منازلهم التي بوأهم الله تعالى إياها؛ إنصافًا لهم، وجزاءً على الإحسان بالإحسان، فإن من لم يشكر من أسدى إليه معروفًا من الناس لم يشكر الله، ونرجو أن يكون ما ادخره الله تعالى لهم عنده أعلى منزلة، وأعظم أجرًا، ونضرع إلى الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء؛ بما بينوه لنا من عقائد سليمة، وأحكام صحيحة، وما خلفوه لنا من تراث باهر، وعلم نافع.

    رابعًا: أن هؤلاء العلماء وأمثالهم من أئمة الهدى والرسوخ في العلم، مع ما أوتوا من قوة في الفهم، وسعة في الاطلاع، وبعد نظر وخبرة بمقاصد الشريعة، ووقوف على أسرارها ليسوا بمعصومين، بل كل منهم يخطئ ويصيب، وقد اعترفوا بذلك، وأقروا به على أنفسهم، ولم يستنكفوا أن يعلنوا ذلك للناس، ويبينوا لهم أن كلاًّ منهم ومن أمثالهم يؤخذ من قوله ويرد عليه، وأن الحجة إنما هي في كتاب الله، وما صح من سنة المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم؛ إحقاقًا للحق، ووضعًا للأمر في نصابه. وعلى هذا من كان ممن سواهم - قديمًا وحديثًا - ثاقب الفكر، عالمًا بنصوص الشريعة، خبيرًا بمقاصدها، قادرًا على   الاستنباط من أدلتها - وجب عليه أن يجتهد في مصادر الأحكام وأدلتها، ولزمه العمل بما ظهر له من الأحكام، ولم يجز له أن يقلد مجتهدًا آخر، لكن له أن يستعين بما خلفه أولئك الأخيار من ثروة علمية، رجاء أن ييسر الله بذلك سبيل الحق وإدراك الصواب. أما من عجز عن ذلك فليقلد مجتهدًا من هؤلاء الأئمة وأمثالهم، دون عصبية لواحد منهم. وقد صدر منا فتوى في الموضوع، هذا نصها: (من كان أهلاً لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، ويقوى على ذلك، ولو بمعونة الثروة الفقهية التي ورثناها عن السابقين من علماء الإسلام - كان له ذلك؛ ليعمل به في نفسه، وليفصل به في الخصومات، وليفتي به من يستفتيه، ومن لم يكن أهلاً لذلك فعليه أن يسأل الأمناء من أهل العلم في زمنه، أو يقرأ كتب العلماء الأمناء الموثوق بهم؛ ليتعرف الحكم من كتبهم، ويعمل به من غير أن يتقيد في سؤاله أو قراءته بعالم من علماء المذاهب الأربعة، وإنما رجع الناس للأربعة لشهرتهم وضبط كتبهم وانتشارها، وتيسرها لهم. ومن قال بوجوب التقليد على المتعلمين مطلقًا فهو مخطئ، جامد، سيئ الظن بالمتعلمين عمومًا، وقد ضيق واسعًا، ومن قال بحصر التقليد في المذاهب الأربعة المشهورة فهو مخطئ أيضًا، قد ضيق واسعًا بغير دليل، ولا فرق بالنسبة للأمي بين فقيه من الأئمة الأربعة وغيرهم؛ كالليث بن سعد، والأوزاعي ونحوهما من الفقهاء).

    خامسًا: إن عقول البشر ومداركهم محدودة، وغرائزهم وميولهم مختلفة، واستعدادهم وقواهم العلمية متفاوتة، ولذلك بعث الله تعالى الرسل عليهم الصلاة والسلام، هداة مرشدين، مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ومع ذلك وقع الاختلاف بين العلماء، إما لأن بعضهم بلغه الدليل من الكتاب والسنة، والآخر لم يبلغه، وإما لاختلافهم في فهم ما بلغه من نص الدليل، وإما لتعارض الأدلة في نظرهم، واختلافهم في تقديم بعضها على بعض، وإما لغير ذلك من الأسباب، وقد أوسع العلماء ذلك بحثًا في كتب أسباب الخلاف، ومن أولئك الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في كتابه: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، فمن أراد مزيد البيان في ذلك فليرجع إلى هذا الكتاب، وإلى ما ألف من الكتب في أسباب اختلاف العلماء قديمًا وحديثًا.

    سادسًا: بعد أن ثبت ما لهؤلاء العلماء من فضل وعلو منزلة، وقدم صدق في الإسلام، وخدمة جليلة للأمة، فإن كبير القوم مستهدف، والأنبياء والمرسلون مع صدقهم، وعلو قدرهم، واعتدالهم، ورحمتهم بالناس، لم يسلموا من أذى قومهم، ولا عجب فالسيل -كما قال الأول- حرب للمكان العالي. فمن سب هؤلاء الأخيار فقد أساء إلى نفسه، وعليها جنى، وسوف يلقى جزاءه عاجلاً أو آجلاً، فالله للمعتدين بالمرصاد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

     

التعليقات

فتاوى ذات صلة