• الحب وهل هو اختياري أم اضطراري؟

    ما هو الحب؟ وهل هو اختياري أم اضطراري؟ أفيدونا بأجلى بيان، وأعظم برهان، وإن شئتم فأرسلوا لنا الرد على غير صفحات المنار، ويكون لكم الفضل، والله لا يحرمنا من أمثالكم.
     

    ورد لنا هذا السؤال منذ سنة وشهر، ولم يأمر السائل بكتمان اسمه ولا بالرمز إليه، وكنا ترددنا في الجواب عنه ثم نسيناه، ولما راجعنا في هذه الأيام ما تأخر من الأسئلة التي جاءتنا في السنة الماضية ولم نجب عنها رأيناه فيها، واستحسنا أن نجيب عنه جوابًا مفيدًا، لأمثال السائل من الناشئين الذين أنشأت بوادر الحب تعبث بنفوسهم، وتنشئ له في مخيلاتهم جنات باسقة الأشجار، بهيجة الأزهار، تجري من تحتها الأنهار، وتغرد من فوقها الأطيار، تتهادى في أفيائها كواعب الأبكار، فيتراءى لهم من سعادة الحياة في مناغاة أولئك الغادات، في حدائق هاتيك الجنات، ما قد يشغلهم عن تحصيل العلم، ويعوقهم عن تربية النفس، ويجذبهم إلى مطالعة قصص الغرام، التي تغذي تلك التخيلات والأوهام، حتى يزين لهم التعرض للحب اختيارًا، أو يقعوا في حبالته اضطرارًا، فيجني عليهم ما يجني مما لا محل لذكره هنا. معنى الحب بديهي لا يمكن تعريفه بما هو أجلى عند النفس منه، فإذا قلت لك: إن حبك للشيء عبارة عن ميلك إليه، أو هو انفعال ارتياح، وأنس بالشيء المحبوب، أو شعور ملائم للطبع، مثاره أو منشؤه ذلك الشيء، أو غير ذلك، لا يزيدك ذلك معرفة بالحب، وإنما يزيدك معرفة بالألفاظ المترادفة، أو المتقاربة في المعنى، فمن أحب شيئًا ما، عرف معنى الحب المطلق في الجملة، وحب ذلك الشيء بالتحديد، وإذا فرضنا أنه يوجد في البشر من لا يحب شيئًا قط، فإننا نجزم بأن إفهامه معنى الحب محال، ومن أحب شيئًا دون شيء، فإننا نعرفه معنى الحب المجهول عنده بتشبيهه بالمعروف له، ولكن هذا التعريف يكون بالتقريب لا بالتحديد لأن حب الاحترام غير حب الشفقة، وحب القرابة والصداقة، غير حب الزوجية.

    وصفوة القول أن الحب من الوجدانات التي لا يعرفها إلا من ذاقها كالسرور والفرح والخوف والحزن. وأما كونه اختياريًّا أو اضطراريًّا فهو مما اختلف فيه الباحثون، فقال بعضهم بالأول وبعضهم بالثاني، وذهب آخرون إلى أن أوله اختياري وآخره اضطراري، وقد نظموا هذه الآراء، واشتهرت فيها أشعارهم، وإذا رجع الإنسان إلى نفسه، وإلى ما يعرف عن أبناء جنسه، ودقق النظر في ذلك، يتجلى له أن لكل قول وجهًا، ولكنه قاصر عن تمحيص الحقيقة وذلك أن الإنسان قد يحدث له الحب فجأة، وقد يختار معاشرة بعض من يستحسن، والتودد إليه لأجل أن يحبه فيحبه، وقد يحب امرءًا أو امرأة فجأة أو بعد تحبب، ثم يفطن إلى أن هذا الحب لا خير فيه، وأن تركه خير من البقاء عليه، فيتكلف السلوّ بالبعد وترك المعاشرة حتى يسلو، وقد يكون ضعيف الإرادة فاقد العزيمة، لا يقوى على مغالبة الحب، وإن هو اعتقد عبثه بشرفه ودينه وذهابه بماله وإفساده لمصالحه، فيظل مغلوبًا له خاضعًا لسلطانه.

    كل أولئك كان واقعًا معروفًا للمختبرين، وما قال من قال: إن الحب اختياري دائمًا، أو اضطراري مطلقًا، أو أوله اختياري وآخره اضطراري إلا حكاية عما يجد في نفسه مع الغفلة عما عليه غيره من الناس، وإلا فهو جاهل بنفسه وبغيره. وإن شئت تفصيلًا ما لهذا الإجمال، فلا تنس أن موضع الخلاف هو حب الشهوة الذي يسمى عشقًا كحب الرجل للمرأة التي يشتهي أن يقترن بها، حبًّا يملك شعوره ووجدانه، لا مطلق حب الإنسان الجميل أو القريب أو المحسن أو الفاضل، فإن الحب المطلق للجميل المستحسن من الإنسان وغير الإنسان، مما غرز في طبائع البشر، واصطبغت به فطرتهم، لا يملكون دفعه ولا اختيار لهم فيه.

    وقلما يكون العشق اضطرارًا، بل الغالب فيه أن يستحسن المستعد للعشق، من تحسن صورته أو صورتها في عينه، وتحل محلًا من قلبه، فيطيل في ذلك الفكر والتخيل، ويعود إلى النظر والتأمل، ويتدرج من ذلك إلى المكالمة والمعاشرة، حتى يصير عاشقًا، واسترساله في هذه الأمور يكون باختياره في الأكثر، وما كان من الخواطر والتخيلات الأولى بغير اختيار تسهل مدافعته بتكلف التفكر في غيره قبل أن يتمكن، ولذلك عبَّرنا بلفظ الاسترسال، ومن سبر هذا وفقهه حق الفقه، يجزم بأن أكثر الذين عشقوا ما بلغوا في ميلهم واستحسانهم إلى درجة العشق، إلا بأعمال نفسية وبدنية استرسلوا فيها باختيارهم، ولو شاءوا لما استرسلوا ولو لم يسترسلوا لما عشقوا، ولكنهم اختاروا أن يعشقوا لأنهم توهموا أن في العشق غبطة وهناء، ونعمة وسعادة. ومن الذي يبعد تصوره ويعسر تعليله أن ينظر الإنسان إلى صورة جميلة، فيفجأه عشقها مستغرقًا شعوره ووجدانه، مالكًا عليه أمره، سالبًا منه إرادته واختياره، ولو قال قائل: إن هذا غير ممكن أو غير واقع، لما صلحت حكايات «ألف ليلة وليلة» وأشباهها من القصص «الروايات» ناقضًا لقوله، ذلك بأن الانفعالات التي تعرض للنفوس، لا تكون بالغة منتهى القوة والشدة إلا إذا اصطدمت بوجدان يقابلها كالحزن الشديد لفقد المحبوب العزيز، والفرح الشديد بلقائه بعد اليأس منه، وكالخوف على الحياة من خطر مفاجئ.

    وقد يقال أيضًا إن داعية النسل قد تقوى في بعض الناس الذين ليس لهم شواغل عقلية، فتحدث استعدادًا يستغرق الوجدان، ويعم تأثيره المجموع العصبي، فيتفق أن يرى صاحب هذا الوجدان في هذه الحال من الصور ذوات الجمال ما يشاكله، فينفعل لرؤيته انفعالًا شديدًا، ويتمكن تأثيره في نفسه لأول وهلة، فلا يكون له اختيار فيه، ولا مطمع في تلافيه، ولكن هذا نادر كما قلنا آنفًا، والنادر لا حكم له كما يقولون. والغرض من هذا البيان، أن الحب الذي تثيره داعية النسل كسائر أنواع الحب، يخضع للتربية والتهذيب، وليس من شأنه سلب الاختيار بطبيعته، وإنما ينمو كغيره بالأعمال الاختيارية حتى يخرج عن طوق الاختيار أحيانًا لا سيما مع ضعفاء الإرادة وأهل البطالة، فقد يولع المرء بلعب الشطرنج أو اللهو بإطارة الحمام حتى يرى تركهما فوق إرادته واختياره. فعلى السائل وأمثاله من الناشئين أن لا يسترسلوا مع أهوائهم في الحب، لئلا يحكم عليهم سلطانه الجائر حكمًا يتجرعون غصصه طول حياتهم[1].

    [1] المنار ج10 (1907) ص120-122.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 221 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات