• الصور الشمسية

    شاع في عصرنا هذا التصوير بآلة مخصوصة، ونحن مجبورون من حكومتنا الروسية على أن نصور بهذه الآلة في بعض الأحوال لإثبات أشخاصنا، ومن ذلك أن مَن يريد منا أن يكون إمامًا في مسجد يكلَّف بأن يقدم صورته إلى الجمعية الشرعية في أوفا عند حضوره إليها لتأدية الامتحان لإثبات أنه هو، فهل يجوز هذا شرعًا أم لا، وما معنى الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك؟

    سبق لنا في المنار بيان السبب في النهي عن التصوير، واتخاذ الصور بهيئة تدل على التعظيم، وهو أن القوم كانوا قريبي عهد بالوثنية، وكانت الكعبة في الجاهلية مزينة بالصور المعتقدة، ومنها صور بعض الأنبياء، فأراد الشارع أن ينسيهم تلك العبادة الوثنية التي ألفوها القرون الطويلة، وأَنِسَتْ نفوسهم بها، فنهاهم عن التصوير وتعظيم الصور، كما نهاهم عن تشريف القبور واتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عندها، بل وعن زيارتها في أول الأمر، وعن اتخاذ قبره وثنًا أو عيدًا.

    ولقد شدّد في أمر القبور ما لم يشدد في أمر الصور، حتى كان يلعن من يتخذها مساجد وهو في مرض الموت، ولكن المسلمين ظلّوا في الغالب يتجنبون التصوير واتخاذ الصور حتى بعد زوال سبب النهي بالمرة، فإنه لا يخطر ببال مسلم الآن أن يعبد صورة أو تمثالًا، ونراهم قد استباحوا ما نُهوا عنه في شأن القبور، فاتخذوها مساجد، وأوقدوا عليها السرج والشموع، وأوقفوا لذلك الأوقاف، مع أن معنى النهي قائم متحقق، بل زاد المسلمون على غيرهم فيما نهوا أن يفعلوا فيه فعلهم، وهذا من عجائب انقلاب قواعد الدين.

    اتخاذ الصورة وحملها لأجل أن يُعرف الشخص بها لمصلحة ألزمته حكومته بها لا ضرر فيه، لأنه لا دخل لنزعات الوثنية وتذكُّر عبادتها بهذه الصورة فقط، بل نزيد على انتفاء علة النهي عن التصوير واتخاذ الصور أن الفقهاء الذين يقلدهم المسلمون الآن قد صرّحوا بذلك، فمنهم من قال: إن اتخاذ الصور من غير تعظيم لها لا ضرر فيه.

    واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في الصحيح، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرها بهتك القرام (الستار)، الذي فيه الصور إذ كان معلقًا كما تعلق الصور المعبودة، فهتكته، واتخذت منه وسادة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعملها والصور فيها. ومنهم من قال: إنه لا بأس باتخاذ الصور التي لا يعيش مثلها، وأكثر الصور الشمسية التي تُتخذ لمعرفة أشخاص أصحابها لا حرمة فيه عليكم، لا اجتهادًا ولا تقليدًا بل الأمر أوسع من ذلك[1].

    [1] المنار ج6 (1903) ص860.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 23 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة