• دعوة أهل المعاصي والذنوب وما يلزم تجاههم

    ما يلزم المسلم نحو رجل بذيء اللسان، يتكلم بالكلمات المنكرة، من أقوال شركية ونحوها، ويكثر من الطلاق ويستعين بالجن، ويأخذ الرشوة وهدم مسجدًا وجعله بيتًا ثم إصطبلاً للدواب، بدعوى إنه سيبني خيرًا منه، وفعلاً بنى غيره لكنه لا يصلح لإقام الصلاة كالأول، وإلى غير ذلك من المنكرات، وإذا نصح لم يقبل؟ فأفيدونا عما يلزم.

    يجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينصح لكل مسلم بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال الله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [ آل عمران : 110 ] ، وقال سبحانه: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ آل عمران : 104 - 105 ] الآيات، وقال سبحانه: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [ المائدة : 78 - 79 ]  وقال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [ النحل : 125 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم: « الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » [1] رواه مسلم ، وقال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: « بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم » [2] . رواه البخاري ومسلم، والنصح لله هو: الإخلاص لله في القول والعمل، وطاعته. والنصح لكتابه: الصدق في الإيمان به، والعمل بما فيه من أحكام الشريعة. والنصح للرسول: الإيمان به وطاعته. والنصح لأئمة المسلمين: أن لا يغشهم، وأن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر؛ إن كان أهلاً لذلك، وأن يعينهم على الخير ويطيعهم في المعروف. والنصح لعموم المسلمين: أن يحب لهم ما يحب لنفسه، ولا يخدعهم بقول أو عمل، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وأن يتعاون معهم على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ولكن الدعوة إلى سبيل الله على مراتب متفاوتة: تعليم الجاهل وإرشاده بالحكمة وإلقاء الموعظة التي ترقق القلوب لتلين القلوب   القاسية، والجدال بالتي هي أحسن لمن احتاج إلى ذلك، فعلى من هو أهل للدعوة إلى الله أن يضع الأمور مواضعها، وأن يدعو كل إنسان بما يناسبه، وينزل كلاًّ منزلته؛ لقوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [ الأعراف : 199 ] ، كما إن الدعاة إلى الخير ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر درجات فمنهم من يقوى على الإنكار باليد، ومنهم من يقوى على الإنكار باللسان، فقط، ومنهم لا يقوى إلا على الإنكار بالقلب، ومنهم من يقوى على الجميع، كما قال صلى الله عليه وسلم: « من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » [3] "، فعلى الداعية إلى الله أن يتعرف قدره ومدى قدرته في الأمر والنهي، وينزل نفسه منزلتها ويدعو بقدر ما تسمح له ظروفه، علمًا وجاهًا وولاية، ولا يتجاوز طاقته؛ وإلا كان فتنة. والله الهادي إلى سواء السبيل. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


    1) صحيح مسلم الإيمان (55) ، سنن النسائي البيعة (4197) ، سنن أبو داود الأدب (4944) ، مسند أحمد بن حنبل (4/102).
    2) صحيح البخاري الإيمان (57) ، صحيح مسلم الإيمان (56) ، سنن الترمذي البر والصلة (1925) ، سنن النسائي البيعة (4175) ، مسند أحمد بن حنبل (4/365) ، سنن الدارمي البيوع (2540).
    3) صحيح مسلم الإيمان (49) ، سنن الترمذي الفتن (2172) ، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5009) ، سنن أبو داود الصلاة (1140) ، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1275) ، مسند أحمد بن حنبل (3/54).

التعليقات

فتاوى ذات صلة