• لا يجوز للإبن الأخذ من مال أبيه بدون علمه إذا فرق بينه وبين إخوته في العطاء

    أنا شاب في العام الثاني والأربعين من العمر، ومتزوج منذ 18 عامًا، وعندي أربعة أولاد، ثلاث بنات وولد واحد ذكر والحمد لله، فبعد أن زوجني أبي بحجرة نوم فقط لظروفه المادية   الضيقة حيث إنه كان آنذاك بَقَّال بسيط، وعشت مع أبي وأمي وإخوتي في منزل واحد، ولكن لم يمر أيام حتى عزلني والدي وأنا لا أملك سوى راتب الحكومة، وزوجتي ست بيت غير موظفة، وخرجت من بيت أبي أشتري باقي الجهاز واحدة واحدة، ولقد ذقت المرارة وذقت الجوع أنا وزوجتي، ولقد حملتْ زوجتي وبدأ الإنجاب وغرقت في دوامة الحياة، تربية أولاد واستكمال فرش من (أطباق ومواعين وخلافه) ولقد أعطاني والدي شقة في نفس المنزل، حوائط واقفة لا باب فيها ولا شباك ولا ماء ولا كهرباء، وبدأت أشطبها واحدة واحدة، وظللت على ذلك عشر سنوات وأبي لا يعرف عني سوى أنني على قيد الحياة، ولا يسأل عني حتى سؤال اطمئنان، ففي خلال هذه العشر سنوات كبرت تجارة والدي وأصبح تاجر جملة كبير ومشهور، فقام بتزويج إخوتي الذكور بجهاز على أعلى مستوى، وشطب لكل ولد شقة على أعلى مستوى، وحتى أخواتي البنات زوجهن زواجات بجهاز على أعلى مستوى، فذات يوم عرض علي أن أعمل معه في الدكان (محل تجارته) مع إخوتي بأجر شهري قدره (80) ثمانون جنيهًا، وأن يعطيني كل عام (5) خمسة أجولة أرز وشعير، وجوال واحد   قمح، وأفهمني أن إخواني يأخذون كذلك، فأطعته ودخلت الدكان، فكانت بداية العذاب النفسي والاكتئاب، لسوء التفرقة في المعاملة، حتى كرهت كل إخواني، فاتضح أن لي أخًا لا يأخذ مرتبًا كما كان يقول والدي، ولكن يأخذ من الدكان ما يلزمه، سواء بعلم والدي أو بدون علمه، أولادي يسألوني: هل يا بابا عمي هذا ليس أخاك؟ وذات يوم صارحت أخواتي البنات وأمي أن أخي يأخذ من الدكان دون علم أبي، فقامت الدنيا وقعدت، وأصبحت عدوًّا، فلما أولادي كبرت والحالة المعيشية ارتفعت، طلبت من والدي زيادة الراتب فرفض، ولكن سمح لي أن آخذ من الدكان ما يلزم بيتي، سواء بعلمه أو بدون علمه، وأنا إذا مرضت لا يسأل عني إلا كروتين، وإذا مرض أحد إخوتي تقوم الدنيا وتقعد، وإذا اشتكيت من ألم في جسدي أثناء العمل لا يسمعني، وإذا اشتكى إخوتي من شيء بسيط يقول: روح أنت ارتاح، مع العلم بأنني أخوهم الكبير والوحيد الذي ذاق مرارة العيش، وأنا اليوم أصبح الراتب وما سمح به أبي لي من الدكان لا يكفي؛ لأن أبي لا يسأل عني لا في دخول مدارس، ولا في دخول شتاء، ولا في دخول أعياد، وهنا أطرح سؤالي على سيادتكم:   س1: هل لو أخذت من الدكان بدون علم أبي لأشتري ما أستكمل به ما يكفيني من حبوب أرز وقمح، وما يكفيني من ملابس لي ولأولادي حلال أم حرام؟ س2: هل ما صرفته في استكمال الجهاز الذي كان مفروضًا على أبي تزويجي به من حقي أن أطالب أبي به، وما صرفته في تشطيب الشقة في نفس منزل أبي من حقي أن أطالبه بذلك أيضًا؟ مع العلم بأنني لو طلبت سيغضب علي وسيرفض ذلك. س3: هناك بعض الإصلاحات في الشقة كسباكة ودهان، ولو طلبت من أبي يرفض، هل آخذ بدون علمه لأقوم بهذه الإصلاحات، مع العلم أن هذه الإصلاحات تكون للصالح العام لجميع المنزل؛ لأن المنزل كله واحد، ولكن كل واحد يعيش لوحده.

    إذا كان والدك قد سمح لك بما سمح لإخوتك به بأن تأخذ من الدكان ما تحتاجه لبيتك ولو بدون علمه - فلا شيء عليك فيما أذن لك فيه. وإذا كان والدك قد ساعد إخوتك في زواجهم فالواجب عليه أن يساعدك مثلهم، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان   لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه ، وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي فرد تلك الصدقة » [1] . وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا بشير: ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، قال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور » [2] ، وفي رواية: « لا تشهدني على جور » [3] ، وفي رواية: « أشهد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا » [4] متفق عليه. فإذا رأيت من أبيك تقصيرًا نحوك دون إخوتك فاطلب منه بأدب ولين جانب ما قصر به عليك، وبين له أن العدل بين الأولاد واجب شرعًا، فإن عدل بينكم فالحمد لله، وإلا فإنه لا يجوز لك - والحال ما ذكر - أن تأخذ من ماله لإصلاح ما ذكرت بدون علمه، وعليك في هذا الصبر؛ لعل الله أن يهديه. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    1) مالك 2 / 751- 752، وأحمد 4 / 268- 271، 273، 276، والبخاري 3 / 134، ومسلم 3 / 1242- 1244 برقم (1623 -13-) ولفظ الأصل له، وأبو داود 3 / 811، 815 برقم (3542، 3545)، والنسائي 6 / 258- 262 برقم (3672- 3686)، وابن ماجه 2 / 795 برقم (2375، 2376)، والدارقطني 3 / 42، وابن حبان 11 / 499، 505 برقم (5100،5106)، والطحاوي في (شرح المعاني) 4 / 84، 84- 85، 86،87، والبيهقي 6 / 176، 177، والبغوي 8 / 296 برقم (2202).
    2) صحيح مسلم الهبات (1623) ، سنن النسائي النحل (3681).
    3) صحيح البخاري الشهادات (2650) ، صحيح مسلم الهبات (1623) ، سنن النسائي النحل (3683).
    4) سنن ابن ماجه الأحكام (2375).

التعليقات

فتاوى ذات صلة