• التوبة من حرمان النساء من ميراثهن

    عندنا في قبيلة بنى مالك التابعة لمحافظة الطائف عادات متوارثة من الآباء والأجداد وهي: عدم إعطاء المرأة نصيبها من الميراث حال تقسيمه، حيث يقسم الميراث المكون من أراضٍ سكنية وبيوت ومزارع ومواشٍ ونقود على الذكور فقط، ويحضر القسمة أحيانًا بعض أعيان القبيلة، ولا تستطيع أي امرأة أن تطلب شيئًا مما فرضه الله لها من الميراث، بل إن ذلك أمر قد نسي ودرس لدى المجتمع، ومعظم النساء لدينا يجهلن ما فرضه الله لهن من الميراث، وكأن أموالنا حلال على ذكورنا وحرام على إناثنا، وإذا ذُكِّر أحد بما نص عليه الكتاب والسنة بشأن الميراث قال: أنا معترف بحق قريباتي الوارثات معي، ولكن لن أعطيهن شيئًا ما لم يطلبن نصيبهن، ثقة منه بأن قريباته لن يطلبن شيئًا من نصيبهن؛ لجهلهن في ذلك، ولعدم تجاوز عرف القبيلة الذي ينكر عليهن ذلك مهما كانت حاجتهن المادية، ومهما كان غنى أهلهن، أيضًا يرى البعض أنه من الصعب على نفسه أن يدخل معه في مال أبيه زوج أخته أو أبنائها، وخصوصًا في الأراضي والمزارع، ويعتبر ذلك من العار عليه، وعند استخراج صك استحكام على الأملاك يكتفى بذكر أسماء النساء الوارثات في ذلك الملْك، والمستفيد الحقيقي والمتصرف في المال هو الرجل فقط، أما نصيب المرأة الوارثة فهو كتابة اسمها بصك الاستحكام فقط، وفي حالة البيع للمُلْك ما على الرجل إلا أن يقنع قريباته الوارثات معه بموجب صك الاستحكام حتى تجوز البيع وتوقع المرأة المسكينة بالموافقة والتنازل عن المشتري، وإن تكلف الرجل في شيء ربما يعطي قريبته من ثمن المبيع مثلما يعطي المسكين، ويسمي ذلك بساطة أو رضوة يسكتون بها المرأة المسكينة؛ لذا أرجو من فضيلتكم إعطاءنا الفتوى الشرعية والتوجيهات اللازمة لقاء تلك العادات.

    قال الله تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [ النساء : 7 ] ، وقال الله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾ [ النساء : 11 ] ، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [ النساء : 12 ] الآية، وقال تعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ [ النساء : 176 ] ، وقال تعالى: ﴿ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ [ النساء : 11 ]« وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الجدة السدس، » [1]  وأجمع على ذلك أهل العلم، وقال تعالى في الزوجات: ﴿ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ﴾ [ النساء : 12 ] .

    ففي هذه النصوص الكريمة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التصريح بتوريث النساء: أمهات وجدات وبنات وأخوات وزوجات، وسمى هذه المواريث: حدوده، ومن خالف ذلك ولم يورثهن كان عاصيًا لله ورسوله، ظالمًا مبدلاً لأحكام الله، متعديًا لحدوده، وإن استحل ذلك كفر عند جميع أهل العلم بعد أن يبين له الحكم الشرعي في ذلك، وقد قال الله سبحانه وتعالى لما بين هذه المواريث للرجال والنساء، قال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [ النساء : 13 - 14 ] .

    فالواجب التوبة من حرمان النساء من ميراثهن، وإعطائهن   حقهن الذي فرضه الله لهن، فإن الله سبحانه قد أعطى كل ذي حق حقه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر » [2] . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


    1) سنن الترمذي الفرائض (2100) ، سنن أبو داود الفرائض (2894) ، سنن ابن ماجه الفرائض (2724) ، موطأ مالك الفرائض (1098).
    2) هذا لفظ البخاري (فتح الباري) برقم (6732).

التعليقات

فتاوى ذات صلة