• التلفيق في التقليد

    توضأت وقبل الصلاة نزل من فمي دم خالط الريق وغلبه فانتقض الوضوء لأني على مذهب الإمام الأعظم، فأردت أن أصلي على مذهب الإمام الشافعي لأن ذلك لا ينقض الوضوء عنده فهل تجوز الصلاة؟ وهل إذا اعتراني مثل ذلك وأنا داخل المسجد للصلاة أو فيه والوقت ضيق لا يسع الوضوء أو كنت أنا لا أستطيع الوضوء إلا في منزلي لأسباب صحية، فهل أصلي على مذهب الشافعي وإن مسست امرأة؟ ومثال ذلك في عبارة أخرى: أن القيء ينقض الوضوء عند الإمام الأعظم دون الإمام الشافعي، فإذا قاء الإنسان وهو متهيئ للصلاة فهل يصلي على مذهب الشافعي (ولو مس امرأة) أم في حال لمس المرأة لا تجوز الصلاة؟ ومثال ذلك أيضًا: أن صلاة الظهر تصير قضاءً عندنا إذا دخل وقت العصر، ولكن عند الإمام مالك تعد صلاتها أداءً إلى ما قبل الغروب، فإذا كنت مغتسلًا وتوضأت على مذهبي فهل تجوز لي الصلاة بعد العصر وأعتبرها أداءً على مذهب الإمام مالك[1]؟

    يعني السائل بالإمام الأعظم: أبا حنيفة، فإن مذهب الحنفية مؤلف في الحقيقة من عدة مذاهب أشهرها مذهب أبي حنيفة ومذهب أبي يوسف ومذهب محمد بن الحسن، ولكن هذين الإمامين قد تلقيا عن الإمام أبي حنيفة وسارا في الاجتهاد على طريقه في الاستنباط، ولم تعرف أقواله وآراؤه إلا عنهما وفي كتبهما، لذلك جعل ما يؤثر عنهما من النقل عنه، وما خالفاه فيه مذهبًا واحدًا لثلاثة أئمة يقال لكبيرهم ومرشدهم الإمام الأعظم.

    وقد جرى المؤلفون في هذا المذهب والمفتون فيه من المجتهدين فيه على ترجيح أقوال بعض الثلاثة على بعض، فكان كل عامل بما في كتبهم مقلدًا لعدة أشخاص في حقيقة واحدة، وهذا هو التلفيق الذي منعه الجمهور وأجازه بعض المحققين، وعلى القول بالجواز تكون صلاة السائل صحيحة في المسائل التي ذكرها.

    وقد تقدم البحث في جواز التلفيق والاستدلال عليه في مقالات المصلح والمقلد فليراجعه السائل في مجلد المنار الرابع (ص361)[2] وما بعدها، وفي مباحث جمعية أم القرى من المجلد الخامس (ص676)[3]، وملخصه أن المسألة خلافية، وأن أكثر علماء التقليد منعوا التلفيق مع أنه لازم للتقليد، وأن دليل الذين أجازوه أقوى.

    وهذا الخلاف مفروض في المقلد الذي له معرفة بمذهب إمامه، ونظر في أدلته، وأما مَن ليس كذلك فهو عامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب مفتيه فإذا أفتاه شافعي بشيء وحنفي بشيء فلا يجب عليه أن يتوقف عن الأخذ بقول مفتيه في المسألة إلى أن يعرف مذهبه في جميع المسائل التي تتعلق بموضوع الفتوى كالصلاة مثلًا. هذا، وإنه لا دليل في الكتاب ولا في السنة على نقض الوضوء بالقيء أو بخروج الدم، فالخلاف فيهما بالرأي والاجتهاد. وأما وقت الأداء والقضاء فالحُكم فيه أن كل إمام ينهاك عن تأخير الصلاة إلى الوقت المختلف فيه عمدًا، وإذا أخرت بعذر فأحسن التوبة، وأقم الصلاة على وجهها في أول فرصة، وليس عليك تَعَدٍّ، أداء أم قضاء والله أعلم.

    [1] المنار ج6 (1903) ص902.
    [2] المنار ج4 (1901) ص361.
    [3] المنار ج5 (1902) ص676.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 27 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة