• السماء والزرقة التي نراها فوقنا

    أرجوكم حل هذه العقدة التي أبرمها أمامنا أحد طلبة العلم مدعيًا أن الزرقة التي نراها فوقنا ليست بالسماء المرادة بقوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ[٦]﴾ [ق: 6]. وإنما تلك الزرقة هي الجو محتجًّا علينا بالحديث «ما بين كل سماء خمس مائة عام» وأنَّ تلك المسافة لا يدركها البصر عقلًا، فهل السماء التي نراها فوقنا زرقاء، هي السماء الحقيقية المذكورة بالقرآن والحديث؟ أم الجو كما زعم! أفيدونا وأرونا من بحر علمكم الزاخر، زادكم الله علمًا وفهمًا والسلام.
     

    الحديث الذي أشار إليه طالب العلم لا يصح ولا يحتج به؛ ولفظ السماء قد أطلق في القرآن على عدة معان منها السقف في قوله تعالى من سورة الحج ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: 15]. الآية، ومنها السحاب في عدة آيات، وذلك أن هذا اللفظ من السمو وهو العلو، فكل ما علاك وكان فوقك جاز لك أن تسميه سماء، هذا هو وضع اللغة التي نزل بها القرآن. فهذا الشيء الأزرق الذي نراه فوقنا في النهار سماء، ومجموع هذه النجوم اللامعة التي نراها فوقنا في الليل يسمى سماء، وجهة العلو فوقك تسمى سماء. وبذلك ورد القرآن، وقد اختلف علماء الهيئة الفلكية في هذا اللون الأزرق الذي في السماء، وينسب إليه ما يشبهه من ألوان الثياب وغيرها، فيقال «سماوي» وفي لون البحر، وليسوا على يقين مما يقولون فيه، وهو على كل حال وكل قول لون لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بجسم أو جوهر، وما يقوم به اللون يسمى سماء، وإن كانت الزرقة حادثة من الفصل بين النور والظلمة في هذه الجهة كما قال بعضهم. والقرآن لم ينزله الله تعالى لشرح مسائل العلوم والفنون الكونية، كالفلك والنبات والحيوان، وإنما تذكر فيه محاسن المخلوقات وعجائبها للتنبيه على حكمة الله في إبداعها ونظامها، وعلمه الواسع، وقدرته العظيمة، وإن السماء التي ننظر إليها في الليل والنهار ذات زينة بديعة، وبناء محكم لا تفاوت في خلقها، ولا فروج ولا شقوق فيها، وهي من آياته سبحانه وتعالى الدالة على ألوهيته. وما اكتشفه علماء الفلك من أسرار سننها لا يزيد المؤمن بالقرآن إلا إيمانًا وخشوعًا، وليس فيه شيء ينقض كلمة منه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[٨٢]﴾ [النساء: 82][1].

    [1] المنار ج12 (1909) ص 815.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 301 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة