• الكشف الطبي على الموتى وتأخير الدفن

    في هذه الأيام صدر الأمر من نظارتنا (الجبل الأسود): إذا مات إنسان أنْ لا يدفن قبل أربعة وعشرين ساعة مُسْلِمًا كان أو غيره ومن أراد دفنه ينبغي أن يأتي بحكيم (دوقتور) يجري المعاينة للجنازة ذكرًا كان أو أنثى (وهذا لا يجوز لنسائنا) وإلا فالسجن من يوم إلى عشرة أيام أو الجزاء في حق النقدي من خمسة إلى مائة كورون في أول مرة. فنحن المسلمين مضطرون من هذا الأمر لأن نعتقد أنَّ تأخير الجنازة 24ساعة لا يجوز شرعًا فإنا على قدم الخروج والهجرة مِن بلادنا وترك أوطاننا بسبب ذلك. فأرجو من حضرتكم أن تبينوا رأيكم العلي في أسرع وقت يمكنكم الجواب لا زلتم هادين مهديين خادمين للشريعة المطهرة المحمدية[1].

    فقد سبق لنا الإفتاء في هذه المسألة[2] فليراجعه السائل على أن الظاهر من السؤال أنه يعلم أن السنة تقتضي بتعجيل الدفن بعد تحقق الموت فإذا كان هناك ارتياب في الموت وجب تأخير الدفن إلى أن يتحقق الموت، والشرع لا يمنع الاستعانة بالطبيب على ذلك، وإذا جاز كشف الطبيب على المرأة المريضة إذا لم يوجد طبيبة تُغْني عنه، فإنه يجوز أيضًا أن يكشف على المرأة الميتة لأجل العلم بتحقق الموت إذا كان هنالك أدنى ارتياب فيه، لئلا تكون مُغْمًى عليها فتدفن ثم يزول الإغماء بعد الدفن فتموت أشنع ميتة، وقد وقع مثل هذا كثيرًا، ولولاه لما عنيت الحكومات التي ارتقى فيها علم الطب وكثرت فيها التجارب بالكشف على الموتى وتأخير دفنهم، وهبْ أن بعض المسلمين علم أنَّ مَيِّتَه قد توفاه الله حتمًا، بحيث صار تأخير دفنه عدة ساعات مخالفًا للسنة فهل إكراه الحكومة إياه على هذا التأخير لأجل المصلحة التي تعتقدها لا لأجل مصادرته في دينه، يوجب عليه الهجرة مطلقًا وإن كان يترتب عليها إضاعة ماله وذهاب شيء من عقاره وترك ذلك لغير المسلمين، كما هو الغالب فيمن يهاجرون الآن من مثل الجبل الأسود؟ المسألة فيها نظر.

    فإن لم يكن في الهجرة ضرر على المهاجرين الآن من مثل تلك البلاد فليهاجروا إلى البلاد العثمانية فإن فيها أرضًا واسعة تحتاج إلى مثلهم، والدولة تتعزز بهم ويسهل عليهم إقامة دينهم في بلادها الآن، ولم يكن يسهل في زمن الاستبداد إذ كان المسلم مضطهدًا أكثر من غير المسلم، وإنما أريد بهذا القيد أن لا يستفزهم الغيظ من الكشف الطبي فيحملهم على ترك أرضهم وعقارهم أو بيعها بثمن بخس لأجل التعجيل بالهجرة. قد يدرك المتأني بعض حاجته... وقد يكون مع المستعجل الزلل.


    [1] المنار ج13 (1910) ص100-102.
    [2] المنار ج10 (1907) ص 358-359. أنظر أعلاه فتوى رقم 229.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 308 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة