• اختلاط المال الحلال بالمال الحرام والرشوة

    إذا اختلط المال الذي يأتي من طريق الحلال مع المال الذي يأتي عن طريق الحرام ، فما حكمه؟ وهذا يحصل في التعامل مع الأفراد والحكومة. وما حكم استخدام المال إذا كنت أعلم أنه أتى عن طريق مشبوه ، وأنكر ذلك على من يأتي به، فهل يجوز لي استخدامه؟ هل يجوز لي العمل في هذه المصانع، وأنا أعلم أن هذا الوضع يحدث بها؟ مع إنكاري الشديد لهم، ونظرًا لأن والدي يلح علي بالعمل معه، خصوصًا في مجال المحاسبة. إذا قال لي والدي إنه يتحمل المسئولية هو والذنب، فهل يجوز لي تلبية طلب والدي في هذا العمل، وأن آكل مما يأتي به من هذا العمل؟ مع العلم أنني أستطيع أن أحصل على عمل كما تعلمون في أي مكان، وبأي مبلغ، ولكن بعد إغضاب والدي؛ لأنه من البديهي لا يقبل بذلك. هل يجوز لي البقاء في المنزل مع هذا المجتمع، ولو كان تركي له سيؤدي إلى مفسدة كبيرة في وضع الأسرة؟ بعد هذا كله أرجو من سماحتكم دراسة رسالتي هذه بتمعن، وملاحظة ما يشدني من جميع الجهات من أوضاع، فالدين يطلب مني أن لا أربي جسمي في حرام - إن كان ذلك الشيء حرام - ووضعي داخل البيت صعب؛ من ناحية أنني لا أستطيع أن أترك البيت، ولا أحد من إخوتي؛ لأننا لم نفكر حتى في ذلك، بل وجودي في المنزل له أثره في القضاء على بعض الأشياء التي لا يرضاها الدين، وعدم وجودي قد يؤدي إلى انتشارها في المنزل.

    أولاً : إعطاء الرشوة وأخذها حرام، على الراشي، والمرتشي، والرائش - الساعي بينهما فيها -.

    ثانيًا : قد صدر منا فتوى في حكم الانتفاع بمال اختلط حلاله بحرامه برقم (2512) وتاريخ 28 7 1399هـ، هذا نصها: إن عرفت أن ما أعطي لك هدية أو قدم لك طعامًا لتأكل منه هو بعينه حرام، فلا تأكل منه، ولا تقبله هدية، وكذا الحكم إن كان كل كسبهم حرامًا، وإن لم يتميز ما كسبوه من حلال وما كسبوه من حرام ففي قبول الهدية منه أو تناوله طعامًا في ضيافة ونحوها خلاف بين العلماء، فقيل: حرام مطلقًا، وقيل: إن زاد ما فيه من الحرام عن الثلث فحرام الأكل منه وقبول هديته، وقيل: إن كان الحرام أكثر من الحلال حرم تناوله أكلاً وقبوله هدية، وقيل: ليس بحرام مطلقًا، فيقبل الهدية ممن كسبه ويأكل منه إن قدمه له طعامًا، وهذا هو الظاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل من يهودية شاة مشوية، وأكل منها، ولعموم قوله تعالى:
    ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ [ المائدة : 5 ] ، ومن المعروف أن اليهود والنصارى يأكلون الربا، ولا   يتحرون الكسب الحلال، بل يكسبون الحرام والحلال، وقد أذن الله في أكل طعامهم، وأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى جماعة من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود ، أن رجلاً سأله فقال: لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني، فقال: (مهنؤه لك وإثمه عليه)، ولو تنزه المسلم عن مخالطتهم والإكثار من التهادي والتزاور فيما بينه وبينهم، واقتصر على ما تدعو إليه المصلحة أو الحاجة لكان خيرًا له.

    ثالثًا : لا يجوز لك أن تعمل في هذه المصانع ولو في المحاسبة، وأنت تعلم حالتها المذكورة في استفتائك؛ لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى:
    ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [ المائدة : 2 ] ، اللهم إلا إذا كان لك سلطة وقوة على تغيير ما فيها من المحرمات، فبقاؤك في العمل بها خير من تركها؛ لما يترتب على بقائك فيها من الإصلاح وتغيير المنكر.

    رابعًا : تعهد والدك بتحمل مسئولية ارتكاب ما يقع في إجراءات هذه المصانع من المنكرات لا ينفعك؛ لقوله تعالى:
    ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [ الأنعام : 164 ] ، وقوله:
    ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ﴾ [ لقمان : 33 ] ،   وعلى هذا فلا يجوز لك أن تلبي طلبه في هذا العمل ولو غضب؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف، إلا إذا قدرت على تغيير المنكر ورجوت أن تغيره.

    خامسًا : إذا كان بقاؤك معهم في المنزل يرجى منه أن تصلح أحوالهم الإسلامية بنصحك لهم، ويقلعوا عما يرتكبونه مما يخالف الشرع، كان الخير في سكناك معهم، وإلا فلا تبق معهم، وصاحبهم في الدنيا بالمعروف، صلة للرحم، واتبع سبيل من أناب إلى الله، وأنت في ذلك أدرى بحالك: هل تقوى على الإصلاح وتغيير المنكر أو لا؟ وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

     

التعليقات

فتاوى ذات صلة