• تغيير أوقات الصلوات

    لقد قمت قبل فترة بزيارة لمدينة ( بيرغن) العاصمة الغربية للنرويج ، بدعوة من (المركز الثقافي الإسلامي) فيها، فرأيت خلال بقائي فيها تعطش الجالية الإسلامية، وحاجتها إلى داعية يجمع بين العلم والتقوى، حيث إن البلد كمعظم البلاد في أوروبا ، ليس فيها عالم مؤهل يتولى مسؤولية الدعوة والفتوى فيها، ويستغل ذلك من قبل عناصر لا علم عندها ولا دين، وتريد أن تعيش على حساب الإسلام وتتاجر به، فيصدرون فتاوى باطلة، فيضلون ويضلون، وهذا خطر سيء على الإسلام، إذ يتولى أمره ناس من غير أهله، كما قال صلى الله عليه وسلم: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها يا رسول الله قال: أن توسد   الأمور إلى غير أهلها . وعلى سبيل المثال: تولى مسؤولية الدعوة والفتوى في هذه المدينة رجل اسمه ( محمود الصياد ) حيث كان مسؤول الجمعية الإسلامية، وإمامًا وخطيبًا فيها لسنوات، وكان يصدر فتاوى بدون علم ولا دين، ومن جملتها: تغيير أوقات الصلوات في المدينة، فأصدر ما يسمى بـ: ( التقويم الدهري ) فأفسد على كثير من المسلمين أمور دينهم، فجعلهم يصلون العشاء- فضلاً عن المغرب- قبل غروب الشمس، ويفطرون في رمضان بساعات قبل الغروب، وقد زور هذه الفتوى باسم جماعة علماء السعودية وفقهائها، كما تلاحظون في (التقويم الدهري). وقد حصلت على فتوى صدرت من (اللجنة المكلفة بالإفتاء) في المملكة تقضي بعكس ذلك، وتلزم بوجوب الالتزام بمواقيت الصلاة العادية، مادام هناك ليل ونهار يتمايزان كما هو الحق، والفتوى تحت رقم (2769) في 13 1 1400 هـ. وبما أن هذه الفتوى صدرت قبل إصدار الفتوى الباطلة والمزورة بسنوات، وربما يتوهم بعض الناس أن الفتوى المزعومة والمدعاة؛ من قبل الرجل قد كانت ناسخة للفتوى المشار إليها قبل قليل، لذا نرجو من اللجنة المكلفة بالإفتاء الموقرة، إصدار فتوى   حديثة بذلك، حيث لا يزال ناس كثيرون مقتنعين بفتوى الرجل وتضليله، وتفسد فتواه صلاتهم وصيامهم، علمًا بأن طول الليل في المدينة (4) أربع ساعات تقريبًا. ولعل هذه تدفع المؤسسات الإسلامية للتفكير في تفريغ دعاة مؤهلين في المراكز الإسلامية في هذه البلاد، وإلا فالأمر جد خطير، والمسلمون يتحملون جميعا النتائج، وتقبلوا فائق شكرنا وتقديرنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    قد صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ، في بيان تحديد أوقات الصلوات، وتحديد بدء صباح كل يوم ونهايته في رمضان في بلاد مماثلة لتلك البلاد، هذا مضمونه: بعد الاطلاع والدراسة والمناقشة، قرر المجلس ما يلي: أولاً: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار، بطلوع فجر وغروب شمس، إلا أن نهارها يطول جدًّا في الصيف، ويقصر في الشتاء- وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا؛ لعموم قوله تعالى:   ﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [ الإسراء : 78 ] وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [ النساء : 103 ] ولما ثبت عن بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، « أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة فقال له: صل معنا هذين.. )- يعني: اليومين - فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن، ثم أمره فأقام الظهر ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة، أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم » [1] رواه مسلم . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال: « وقت الظهر إذا زالت الشمس،   وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة؛ فأنها تطلع بين قرني شيطان » [2] أخرجه مسلم في (صحيحه).

    إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس، قولاً وفعلاً، ولم تفرق بين طول النهار وقصره، وطول الليل وقصره، مادامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان، فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم، مادام النهار يتمايز في بلادهم من الليل وكان مجموع زمانهما أربعًا وعشرين ساعة، ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها، في ليلهم فقط، وإن كان قصيرًا فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد   قال الله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [ البقرة : 187 ] ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى إهلاكه أو مرضه مرضًا شديدًا، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه- أفطر ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [ البقرة : 185 ] وقال الله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ﴾ [ البقرة : 286 ] وقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [ الحج : 78 ] . ثانيًا: من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفًا ولا تطلع فيها الشمس شتاء، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً وجب عليهم أن   يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض؛ لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من « أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة، كل يوم وليلة، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه التخفيف حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة » [3] . إلى آخره ولما ثبت عن حديث طلحة بن عبيد الله ، رضي الله عنه قال: « جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع » [4] الحديث.  

    ولما ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: « نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد: أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق.. إلى أن قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم » [5] ... الحديث. وثبت « أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه عن المسيح الدجال، فقالوا: ما لبثه في الأرض، قال: أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، فقيل: يا رسول الله: اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره » [6] فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يومًا واحدًا يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين   ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتبارًا بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسؤول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة. وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان وعليهم أن يقدروا لصيامهم، فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته، وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب بلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار، ويكون مجموعها أربعًا وعشرين ساعة؛ لما تقدم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه، إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة، وبذلك يعلم بطلان ما جاء في التقويم الدهري المذكور، ومخالفته للنصوص الصريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإفساده على المسلمين صلاتهم وصيامهم، فيجب الحذر منه وعدم متابعته.   وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    1) صحيح مسلم الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلاَةِ (613) ، سنن الترمذي الصلاة (152) ، سنن النسائي المواقيت (519) ، سنن ابن ماجه الصَّلاَةِ (667) ، مسند أحمد (5/349).
    2) صحيح مسلم الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلاَةِ (612) ، سنن النسائي المواقيت (522) ، سنن أبي داود الصلاة (396) ، مسند أحمد (2/210).
    3) أخرجه أحمد 3 / 161 ، والبخاري 1 / 91-93 ، 4 / 106- 107 ، ومسلم 1 / 145-149 برقم (162 ، 163) ، والنسائي 1 / 217-224 برقم (448- 451) بألفاظ مختلطة ، والترمذي 1 / 417 برقم (213)
    4) أخرجه مالك 94 ، والبخاري 1 / 17 ، ومسلم 1 / 40- 41 برقم (11) ، وأبو داود 1 / 106 برقم (391) ، والنسائي 1 / 226-229 4 / 120- 121 برقم (458-459-2090)
    5) أخرجه البخاري 1 / 23 ، ومسلم 1 / 41 برقم (12) ، والترمذي 3 / 14 برقم (619) ، والنسائي 4 / 121 برقم (2091) ، والدارمي 1 / 130 برقم (656)
    6) أخرجه مسلم 4 / 2250-2255 برقم (110 ) ، (2137) ، وأبو داود 4 / 496 ، 497 برقم (4321) ، وابن ماجه 2 / 356 برقم (4075) ، والترمذي 4 / 442- 445 برقم (2240)

التعليقات